الأحد، 25 سبتمبر، 2011

أنا أفكر.. إذن أنا موجود

جميلة جدا هذه المقولة الشهيرة لديكارت الفرنسي 
لم يقرأها شخص إلا وتركت فيه بالغ الأثر فاقتبسها أو عدّل عليها. أو حتى انتقدها
وبعضهم قال مثلاً : الحجر لا يفكر لكنه موجود
وبعضهم عكسها فقال : إذا كنت غير موجود إذن أنا لا أفكر

حاول الآن أن تركز معي من خلال هذا التوضيح
لنبدأ بهذا السؤال : هل فهمنا بالضبط ما الذي يرمي إليه ديكارت من مقولته هذه ؟؟

أعتقد أن أغلبيتنا ستقول بأن ديكارت كان يقصد بأن ما يميز الإنسان عن الحيوان هو نعمة التفكير. وذلك لأننا نركز في فهمنا لمقولته الشهيرة على كلمتي أفكر و موجود .

أما أنا فأقول بأننا إذا أردنا أن نفهم بالفعل ما يقصده ديكارت، يجب علينا أولا أن نعرف طرقة تفكير ديكارت ومنهجيته.
ديكارت ابتدع منهجية جديدة شجاعه للبحث والنقد الأدبي والفلسفي. 
يقوم مبدأه على حد قول طه حسين في كتابه "في الأدب الجاهلي" على ما يلي :

"أن يتجرد الباحث من كل شيء كان يعلمه من قبل، وأن يستقبل موضوع بحثه خالي الذهن مما قيل فيه خلوّا تاما".
مثلا، إن أردنا أن ندرس أفلاطون، يجب علينا أن نطهر أفكارنا وعقلنا من أقوال أرسطو ومن أقوال الفلاسفة الذين نقدوا أفلاطون ومن جميع ما تعلمناه حول أفلاطون وعلى الأخص أن نتجاوز المقدمات التي يضعها المترجمون وغيرهم في فاتحة ترجمات أعمال أفلاطون، فنمضي بفكر خالي نقي لنقرأ أفلاطون في مصادره الأصلية بعيدا عن كل ما من شأنه أن يبني فينا فكرة مسبقة أو حكما مسبقا على أفلاطون وأفكاره. في هذه الحالة، وفي هذه الحالة فقط، يمكن أن أقول بأنني أنا الذي أقرأ أفلاطون ولا أكون متأثرا بفكر شخص آخر.

وعليه يكون ديكارت قد أراد من خلال مقولته تلك أن يركز على كلمتي "أنا" الأولى والثانية لا على كلمتي "أفكر" و"موجود". 
"أنا" أفكر، أي أنا ديكارت الذي يقوم بعملية التفكير غير متأثر بما كتب فلان وبما قاله علان من الناس.
إذن "أنا" موجود. بمعنى أنا ديكارت أكون موجودا وقائما وكلماتي التي أقولها بعد دراستي لموضوع ما من المواضيع تمثلني أنا. لأن ما نتجت عنه أفكاري وما خطته يدي من كلمات هي تعبير عني أنا لا عن شخص آخر تأثرت به وبأفكاره خلال دراستي لموضوع من المواضيع.

فالأفكار التي أقدمها والانتقادات التي أوجهها هي إذن نتيجة تفكيري أنا وعليه عندما أطرح أطروحتي ونتيجة بحثي أكون أنا موجودا فيها لا فلان من الناس الذين تأثرت بهم فيكون هو موجود في كتاباتي وهو موجود فيَّ . 
مثلا، يقال، لا يترك سقراط كتابات ولكننا نستيطيع أن نتعرف إلى أفكار سقراط من خلال ما كتبه أفلاطون أو غيره لأنهم خلدوا لنا أفكار سقراط .

"أنا" أفكر، إذن "أنا" موجود 
أنا ديكارت ... فكر وانتقد ودرس وبنى وكتب وعليه فديكارت موجود ولا وجود لأي شخص آخر من خلال ما خطته يد ديكارت لأنه غير متأثر بأحد. 
وعليه فديكارت لم يخلّد أحدا من الناس كما خلد أفلاطون سقراط بل ديكارت خلد ديكارت فقط وكان ديكارت موجودا من خلال ما كتبه ديكارت.

تحياتي: هيثم سمور

هناك تعليقان (2):

أحلام رحال يقول...

جميل جدا وجديد بالنسبة لي هذا التحليل
أنا أفكر، إذن بتفكيري وتأثيري على فكر الآخرين أكون موجودا!
ولكن هل تكفي الفكرة لتكون موجودا. أعتقد أن الأمر ينقصه الكتابة. أنا أكتب إذن فربما أنا موجود. سأشرح لك فيما بعد لماذا قلت ربما. بالنسبة للكتابة فإنه طالما كانت لديك أفكار فإنه لا وجود لها طالما لم تدوَّن، وهذا ما خلَّد اسم سقراط طويلا، لأن الآخرين كتبوا عنه. وهذا ما خلد المحارب إيخيليس عندما كتب عنه هوميروس.
أما قصدي بـ "ربما"، فيبقى السؤال إذا ما كان اتحاد الفكرة والكتابة كافيين ليتواجد المرء. كثيرا ما تختفي أثار البشر وأسماؤهم بعد زوال ما تركوه أو إزالتها. مثلما حصل مع ملوك المصر الذين حُذفت أسماؤهم وكتاباتهم من جدران المعابد فذهبت معالمهم معها.
آسفة على الإطالة والإسهاب، لكن الموضوع شدني كثيرا..
مدونتك رائعة.. شكرا لرحابة صدرك، وشكرا بالمناسبة لانتقائك بعض ما كتبت في زاوية "أقلام تكتب بشغف"
أحلام رحال

Haitham Samour يقول...

شكرًا لك على المشاركة الجميلة و احترم وجهة نظرك وتحليلك الرائع كما اعتذر عن تأخري بنشر التعليق ، و زاوية أقلام تكتب بشغف تنتظر منك مقالا خاصا :)

;