الاثنين، 7 فبراير، 2011

ذلك هو الصديق

كانت نفسه العالية كالنجمة وهبت قوة النزول إلى الأرض . وكان حبيبا لو انقسمت روحي في جسمين لكان جسمها الثاني ، كان دائما كالذي يشعر أنه ميت ، وتارك ميراث مودته ، فلا أعرف أني رأيت منه إلا أحسن ما فيه ، وكأنما كان يضاعف حياتي بحياته ويجعلني معه إنسانين .

وكان له دين غض كعهد الدين بأيام الوحي ، لا تزال تحته رقة قلب المؤمن ، وفوقه رقة جناح الملك ، يخالط نوره القلوب ، وكان حييا صريح الحق ، ترى صدق نيته في وجهه كما يريك الحق صدق فكره في لسانه ، ساميا في مروءته ليس لها أرض تسفل عندها ، وإنما هي إلى وجه الله ، فلا تزال ترتفع . ودودا لا يعرف البغض ، محبا لا يتسع للحقد ، ألوفا لا يسر الموجدة على أحد .

وكان رحيب الصدر كأن الله زاد فيه سعة الأعوام التي سينتقصها من حياته ، ففي قلبه قوة عمرين وكان طيب النفس ، فكأن الله لم يمد في عمره طويلا لأنه نفى الأيام الهالكة التي يكون فيها الإنسان معنى من معاني الموت .

آه لو عرف الحق أحد لما عرف كيف ينطق بكلمة تسئ ، ولو عرف الحب أحد لما عرف كيف يسكت عن كلمة تسر ، ولن يكون الصديق صديقا إلا إذا عرف لك الحق ، وعرفت له الحب .

لا أريد بالصديق ذلك القرين الذي يصحبك كما يصحبك الشيطان لا خير لك إلا في معاداته ومخالفته ، ولا ذلك الرفيق الذي يتصنع لك ويماسحك متى كان فيك طعم العسل ؛ لأن فيه روح ذبابة ، ولا ذلك الحبيب الذي يكون لك في هم الحب كأنه وطن جديد ، وقد نفيت نفى المبعدين ، ولا ذلك الصاحب الذي يكون لك كجلدة الوجه تحمر وتصفر ، لأن الصحة والمرض يتعاقبان عليها . فكل أولئك الأصدقاء لا تراهم أبدا إلا على أطراف مصائبك ، كأنهم هناك حدود تعرف بها من أين تبتدئ المصيبة لا من أين تبتدئ الصداقة .

ولكن الصديق هو الذي إذا حضر رأيت كيف تظهر لك نفسك لتتأمل فيها ، وإذا غاب أحسست أن جزءا منك ليس فيك ، فسائرك يحن إليك ، فإذا أصبح من ماضيك بعد أن كان من حاضرك ، وإذا تحول عنك ليصلك بغير المحدود كما وصلك بالمحدود ، وإذا مات .. يومئذ لا تقول : إنه مات لك ميت ، بل مات فيك ميت ، ذلك هو الصديق .

من كتاب " السحاب الأحمر"
للمؤلف : مصطفى صادق الرافعي ـ رحمه الله

ليست هناك تعليقات:

;