الأربعاء، 19 يناير، 2011

نطـاق كـوبر KUIPER BUILT الجزء الثالث من المجموعة الشمسية نهايتها البعيدة الجليدية الغامضة

المعروف أن النظام الشمسي مكون من مجموعتين من الكواكب: الكواكب الأرضية الصخرية وهي القريبة من الشمس ومجموعة الكواكب الجوفينية الغازية أو البعيدة عن الشمس. وفي العقدين الأخيرين اتضح أن هناك مجموعة ثالثة تدعى نطاق كوبر تقع بعد كوكب نبتون بعيداً عن الشمس. اكتشف حتى الآن منها أكثر من 1000 جرم تتراوح في أقطارها بين 50 كم إلى 1300 كم. وهي مكونة من جليد الماء والصخر وبعض المركبات العضوية. سطوحها رمادية إلى حمراء بسبب التجوية.
وتوجد عادة في أزواج متقاربة الحجم. ويبدو أن من هذا النطاق تخرج المذنبات قصيرة الدورة بسبب التصادم المستمر بينها.


مقدمة
نعلم منذ وقت طويل أن النظام الشمسي مكون من الشمس كنجم مركزي وحيد تدور حوله تسع كواكب في مجموعتين. المجموعة الأقرب إلى الشمس صخرية في طبيعتها كالأرض وتدعى الكواكب الأرضية. بينما المجموعة البعيدة عن الشمس غازية في طبيعتها كالمشتري وتدعى الكواكب الجوفينية .


وفي السنوات القليلة الماضية اكتشفت أعداد كبيرة من توابع للشمس تقع بعد مدار نبتون أبعد الكواكب الغازية عن الشمس. ومن ثم أصبحت المجموعة الشمسية مكونة من ثلاث مجموعات كوكبية متميزة بعضها عن بعض.

 وفي هذا المقال , تلقي قليلا من الضوء على هذه المجموعة الثالثة لعل في ذلك ما يفيد القارىء العربي من مستجدات علم الفلك الحديثة. ولكن قبل ذلك هذه مقدمة سريعة ببعض صفات المجموعتين الأوليين.


مجموعة الكواكب الصخرية أو الأرضية
وتضم عطارد والزهرة والأرض والمريخ والكويكبات التي بين المريخ والمشتري. وهي الأقرب إلى الشمس. وتتميز بما يلي:

* أنها صخرية كالأرض وقد تصل كثافتها إلى 5.5 غم / سم3
* أنها صغيرة الحجم مقارنة بالمجموعة الغازية
* حرارة سطحها مرتفعة إذا ما قورنت بالكواكب الغازية
* قليلة الأقمار. فللأرض قمر واحد وللمريخ قمران
* تتطرز سطوحها بفوهات الارتطام النيزكي مما يدل على قدم هذه السطوح. عدا الأرض بسبب وجود الماء السائل ومن تجدد سطحها بالحت والتعرية والترسيب المائي.

ويمكن تفسير صغر حجمها وارتفاع كثافتها بقربها من الشمس. ففي المرحلة المبكرة لنشأتها قامت الرياح الشمسية باكتساح الجزء الغازي من السديم الذي كونها. ولم يبق بعد ذلك غير دقائق الغبار الكوني والعناصر الثقيلة التي تكاثفت فيما بعد وكونت هذه الكواكب الصخرية.


مجموعة الكواكب الغازية أو الجوفينية
وهي المشتري كبير الكواكب وزحل واورانوس ونبتون. تغلب الغازات على تركيبها على الرغم من وجود نواة صخرية لها. ومن الغازات نذكر ثاني اكسيد الكربون والأمونيا والهيدروجين والميثان والهيليوم والنتروجين وغيرها. ومن أهم صفاتها أنها:

* عملاقة إذا ما قورنت بالكواكب الصخرية. أنظر
* كثافتها متدنية إلى أقل من 2 غم/سم.3 ويكفي ان نذكر ان كثافة زحل هي 0.7 غم/سم.3
* لها أعداد كبيرة من الأقمار يصعب حصرها (تعد بالعشرات) لأنها تزداد باستمرار تقدم وسائل العلم وخاصة للمشتري وزحل بسبب كبر حجمهما. للمشتري الآن 61 قمرا.
* محاطة بحلقات عديدة من فتات صلب. ترى بسهولة كما في زحل وتضفي عليه جمالا وأناقة. وهي في الغالب فتات صخري من الجليد.
* لا ترى فوهات الارتطام على سطوحها لأنها غازية. غير أن أقمارها تري ذلك مثل قمر زحل تيتان وأقمار المشتري الكبرى.
* متجمدة بسبب بعدها عن الشمس. وفي صور حديثة لمسبار هويجنز الأوروبي الذي نزل على قمر تيتان عام 2004 وجد جليد الماء على شكل صخور مكسرة تملأ مكان الهبوط.


هذه المعلومات جميعها قديمة يعرفها القارىء العادي. أما الجديد فهو المجموعة الثالثة.



المجموعة الثالثة أو نطاق كوبر KUIPER BUILT
وهي مجموعة من الأجرام الصغيرة جداً البعيدة جداً عن الشمس. ومن ثم فلم يكن ممكنا رؤيتها بالوسائل الفلكية التي كانت متاحة حتى وقت قريب. معدل قطر معظمها هو في حدود 200 كم على الرغم من وجود ما هو أكبر من ذلك. وقد اكتشف حتى الآن أكثر من 1000 منها.

كانت المنطقة التي تلي بلوتو بعدا عن الشمس مدار تفكير مشاهير علماء الفلك منذ أواسط القرن العشرين. ومن أشهر من كتب في هذا الموضوع جان أورت Jan Oort الذي وضع فكرته المشهورة التي تقضي بوجود غيمة جليدية وراء بلوتو تعد مستودع المذنبات في المجموعة الشمسية, وتعرف غيمة أورت Comet Cloud Oort . وما زلنا نقرأ عن هذه الغيمة في كتب الفلك الكلاسيكية.

 وبسبب هذه الفرضية ترسخ في أذهان علماء الفلك أن المذنبات أجرام قديمة قدم النظام الشمسي, وأن دراسة مادتها يعني دراسة أقدم أشكال المادة في النظام الشمسي. أي كيف كانت مادته قبل أكثر من 5,4 بليون سنة.
وفي الوقت نفسه تقريبا وضع جيرارد كوبر فكرته التي تقضي بوجود عدد كبير من الكويكبات والمذنبات في المنطقة الواقعة بعد كوكب نبتون. وأن أولها وأقربها إلينا هو كوكب بلوتو وقمره شارون. 

وفي عام 1977 اكتشف كويكب شيرون 2060 وقطره قرابة 200 كم في مدار غير مستقر بين أورانوس وزحل. فدفع هذا الاكتشاف علماء الفلك إلى التفكير الجاد أن شيرون هو آت من المنطقة الواقعة بعد كوكب نبتون. وفي هذه الفترة أجريت حسابات فلكية نظرية جادة على المذنبات قصيرة الدورة. فأوضحت الحسابات أن هذه المذنبات لا بد أن يكون مصدرها المنطقة التالية لكوكب نبتون بعدا عن الشمس. ذلك لأن مدارات المذنبات قصيرة الدورة قريبة الشبه من مدارات الكواكب الرئيسية من حيث ميلها. فشجعت هذه الحسابات العلماء للبحث الجاد أيضا عن مستودع هذه المذنبات. 

ومع تقدم وسائل المراقبة الفلكية في الربع الأخير من القرن العشرين وخاصة في العقد المنصرم بدأ الكشف عن أعداد كبيرة من هذه الأجرام وعن صفاتها تبعا لتنبؤات كوبر. ففي عام 1992 اكتشف أولها وهو 1992 B1 الذي يبعد بليون كم بعد نبتون. وفي عام 1993 اكتشف ثلاثة بينما اكتشف أكثر من 12 في عام 1994 . أما الآن فالعدد يزيد على 1000 منها. ويبدو أن هذه الاكتشافات قد ركزت فكرة كوبر وطرحت جانبا غيمة أورت. هذه الأجرام الجديدة تسمى الآن نطاق كوبر أو الجزء الثالث من المجموعة الشمسية.


عدد أجرام نطاق كوبر وموقها وحجومها
قلنا قبل قليل أنه قد اكتشف حتى الآن ما يربو على 1000 من هذه الأجرام. ويعتقد العلماء انه في السنوات القليلة القادمة سيصبح المكتشف من هذه الأجرام التي يزيد قطرها عن 100 كم أكثر من 100 ألف جرم. ومن ثم فإن اعدادها ستصبح أكثر من ضعف عدد الكويكبات  التي بين المريخ والمشتري التي نعرفها جيدا منذ وقت طويل.
تتراوح أقطارها بين أقل من 50 كم للصغير منها وحتى 1300 كم لجرم سمّي . Quaoar هذا الأخير أصغر من كوكب بلوتو ولكنه أكبر قليلاً من قمر بلوتو شارون. 

يقع هذا النطاق بعد كوكب نبتون. اما أبعد جرم مكتشف فيقع على بعد 55 وحدة فلكية من الشمس. الوحدة الفلكية تساوي 150 مليون كيلومتر تقريبا وهي معدل المسافة بين مركز الأرض ومركز الشمس. عند هذا البعد تصبح أجرام نطاق كوبر خافتة جدا تقريبا من القدر 27 أي 27 مرة أقل لمعاناً من النجوم اللامعة في السماء. غير أن الاعتقاد السائد الآن أن هذا النطاق يستمر حتى 1000 وحدة فلكية أو يزيد. وقد قسمت إلى أنواع ثلاثة تبعا لموقعها ودورانها:

* أشباه بلوتو Plutinos وهي التي تدور في تناغم مع الكوكب بلوتو فتكمل ثلاث دورات حول الشمس عندما يكمل بلوتو دورتين. وتقع بين 30-50 وحدة فلكية بعدا عن الشمس.
* أجرام كوبر الكلاسيكية التي تقع في المنطقة نفسها مثل أشباه بلوتو غير أنها ليست متناغمة مع دوران بلوتو
* أجرام مبعثرة ذات مدارات شاذة جدا وهي أبعد من 50 وحدة فلكية عن الشمس.


ماهيتها 
لا يعلم الكثير عن تركيبها الكيماوي. غير أنه اتضح أن الكبير منها مكون من جليد الماء والصخر مع بعض المركبات العضوية الكربونية وغيرها. سطوحها معتمة أو قاتمة فهي لا تعكس أكثر من 15 % من الضوء الساقط عليها. وتتراوح ألوانها بين الأزرق الخافت والأحمر القاني. وهي موجودة على شكل أزواج أي أن كل جرمين يدوران حول بعضهما بعضا. والغالب أن يكون الزوجان متقاربين في قطريهما مثل بلوتو وقمره.


نشأتها وتطورها
لقد أدت حقيقة أن هذه الأجرام توجد عادة في أزواج إلى فكرة أن هذه الأجرام لا بد وأنها تصطدم بعضها ببعض. وبسبب استمرار تصادمها فإنها تصغر مع الزمن.

ويبدو أن جزءا كبيرا من المادة الموجودة في هذا النطاق قد تحول إلى رماد ناعم ذرته رياح الشمس بعيدا على أطراف المجموعة الشمسية أو إلى فضاء الكون الفسيح. ومن ثم فإن الكثير من أجرام هذا النطاق حديث النشأة. 

يقدر العلماء أن المادة الموجودة في هذا النطاق حاليا تساوي 0.5 - 1 كتلة أرضنا. بمعنى أن جميع المادة الموجودة في أجرام نطاق كوبر أقل من كتلة أرضنا أو قد تصل إلى نصف كتلتها. ولكنها كانت اكبر من ذلك عندما بدأت الكواكب الشمسية بالتكوّن. وقد كان بالإمكان أن ينشأ كوكب بحجم أرضنا أو قريبا من ذلك في هذه المنطقة لولا ظهور كوكب نبتون. فقد أدى جذب نبتون لها إلى تفتتت هذه المادة وعدم قدرتها على التجمع بل والتصادم العنيف فيما بينها. وقد فعل المشتري مثل ذلك في تفتيت مادة نطاق الكويكبات وعدم السماح لها ان تنمو مكونة كوكبا في المنطقة التي بين المريخ والمشتري. فبقيت على شكل أجرام صغيرة في هذا النطاق. وهي تنقص مع الزمن بسبب التصادم.


بعض المشكلات
ما زالت هناك بعض المشكلات التي هي بحاجة إلى حل في هذا النطاق. ومن ذلك:


هل توجد نهاية لنطاق كوبر؟
تقع معظم أجرام كوبر المكتشفة على بعد أقل من 55 وحدة فلكية عن الشمس. ولا يوجد بعد ذلك إلا عدد قليل منها. وتبدو المنطقة الواقعة بين 55-80 وحدة فلكية وكأنها فجوة ليس فيها من هذه الأجرام إلا أقل القليل. فهل هذه الفجوة هي الحد البعيد لنطاق كبير؟ قد يكون الجواب في أن الأجرام التي من رتبة 100 كم تصبح عند حدود الرؤية أي يصبح قدرها + 27 . وبالتالي فقد تكون المسألة هنا تقانية. وهو ما يذهب إليه كثير من الباحثين في هذا الموضوع. وهم يعتقدون أن نطاق كوبر قد يمتد إلى 1000 وحدة فلكية بعدا عن الشمس.


هل لألوان هذه الأجرام قيمة تصنيفية؟
صُنّفت الأجرام المكتشفة في مجموعتين حسب لونها:

المجموعة الآولى: رمادية عادية
المجموعة الثانية: حمراء

غير أن هناك تدرجاً واضحاً في اللون بين المجموعتين. بمعنى أنه توجد أجرام انتقالية بين الرمادي والأحمر. الأمر الذي أفقد التصنيف قيمته على الأقل في الوقت الحاضر.

غير أن السؤال الرئيسي الذي ما زال ينتظر الإجابة هو: ما أصل هذه الألوان؟ بعض الباحثين يرى أن الألوان أصلية منذ نشأتها. غير أن الرأي الأكثر قبولا هو أن هذه الألوان قد تكونت بسبب تفاعل سطوح هذه الأجرام مع الجو والإشعاع. فإذا كان الأمر كذلك, فإن هذه الأجرام لا يمكن أن ينظر إليها كمواد قديمة قدم النظام الشمسي. ولا يجوز أن يؤخذ تركيبها الكيميائي والمعدني شاهدا على مكونات النظام وقت تكونه.


أين المذنبات؟
يجمع الباحثون أن المذنبات تأتي من المنطقة التي تلي نبتون أي من نطاق كوبر طبقا لما وصفناه أعلاه. غير أن أجرام كوبر أكبر مئات إلى آلاف المرات من المذنبات. والمعروف أن قطر نواة المذنب هي من مرتبة الكيلومتر أي من واحد إلى بضعة كيلومترات. بينما الصغير من هذه أجرام كوبر قطره 50 كم. والجواب على ذلك أنه يمكن إنتاج ملايين المذنبات في نطاق كوبر عن طريق التصادم الذي وصفناه قبل قليل. فالتصادم ظاهرة رئيسية في هذا النطاق.

وعند اصطدام جرمين صغيرين فقد يتشظيان إلى عدد كبير من الأجرام الصغيرة التي هي من مرتبة المذنبات. وعلى الرغم من قوة هذه الفكرة إلا أن أحدا لم يستطع أن يرى مذنباً واحداً حتى الآن في نطاق كوبر. وقد يكون صغر المذنبات هو السبب في ذلك. فالمذنبات ستكون من القدر +30 عند هذا البعد عنا أي على بعد 50 وحدة فلكية. الأمر الذي يجعل رؤيته صعبة للغاية بالوسائل المتاحة حاليا. ولن يطول الوقت حتى تحل هذه المسألة. فالعاملون في هذا الموضوع يخططون إلى إطلاق مركبة فضائية لحل هذه المسألة والمسائل الأخرى المعلقة في نطاق كوبر.

قد يتساءل القارىء وما علاقة هذه الأجرام بالمذنبات؟ أو كيف يتحول جرم محدد المعالم إلى مذنب؟ والجواب أن الذي يعطي هذه الأجرام شكلها المحدد هو شدة البرودة في موقعها البعيد جدا عن الشمس. فهي مكونة من جليد الماء والصخور وبعض المواد العضوية. هذه المكونات هي أيضا مكونات المذنبات. وعندما يخرج واحد من هذه الأجرام من نطاق كبير لسبب دوراني جاذبي, فإنه يتجه صوب الشمس فترتفع درجة حرارته ويبدأ المذنب بالتشكل. ثم يصبح الذنب طويلا ومرئيا عندما يصبح في منطقتنا من النظام الشمسي حيث الحرارة كافية لصهر جليد الماء والمواد العضوية التي تتحول إلى ذنب طويل مرئي كما نعرفه.


بقيت واحدة.
وهي أنه طالما أن المذنبات قد نشأت عن طريق التصادم, فإنها ليست قديمة قدم النظام الشمسي. ولا يجوز أن تدرس مادتها على أنها تمثل مادة النظام الشمسي الأولية. وقد قلبت هذه الفكرة ما كان موجودا في أذهان العلماء حتى وقت قريب عندما زارنا مذنب هالي آخر مرة عام .1986

بعض المراجع
- Wood, J.A., 1999. Forging the planets: Origin of the Solar System. Sky & Telescope, Vol. 97, No. 1, pp. 36-48
- Bennett, J., Donahue, M., Schneider, N.,and Volt, M., 2004. Cosmic Perspective. 3rd Ed .Pearson, San Francisco.
- Stern, S.A., 2003. Exploring the Kuiper Belt. Sky & Telescope, Vol. 106, No. 5, pp. 30-

أ. د عبد القادر عابد 
الجامعة الأردنية

ليست هناك تعليقات:

;