الجمعة، 14 يناير، 2011

الليبرالية والنظرية السياسية المعاصرة

في البداية نتكلم عن الليبرالية وبعد ذلك نتكلم عن النظرية السياسية المعاصرة والتي هي الليبرالية والديمقراطية  وفي النهاية الليبرالية والإسلام:

مفهوم الليبرالية:

الليبرالية (LIBERALISME) كلمة ليست عربية، وترجمتها الحرية، جاء في الموسوعة الميسرة:

"الليبرالية: مذهب رأسمالي ينادي بالحرية المطلقة في الميدانين الاقتصادي والسياسي".

ولها تعريفات مرتكزها: الاستقلالية، ومعناها: التحرر التام من كل أنواع الإكراه الخارجي، سواء كان دولة أم جماعة أم فردا، ثم التصرف وفق ما يمليه قانون النفس ورغباتها، والانطلاق والانفلات نحو الحريات بكل صورها:

مادية، سياسية، نفسية، ميتافيزيقية (عَقَدِيّة).

وقد عرف (جان جاك روسو) الحرية الخُلقية ـ كما يسميها ـ فقال:

"الحرية الحقة هي أن نطيع القوانين التي اشترعناها نحن لأنفسنا".

فهي – بحسب هذا المفهوم - عملية انكفاء على الداخل (النفس)، وعملية انفتاح تجاه القوانين التي تشرعها النفس.. فالانكفاء على الداخل تمرد وهروب من كل ما هو خارجي، والانفتاح طاعة القوانين التي تشرعها النفس من الداخل.

ويمكن أن تمثل بالمعادلة التالية:
الليبرالية = انكفاء على النفس (استقلالية) + انفتاح على قوانين النفس (انفلات مطلق).

وجاء في الموسوعة الفلسفية العربية تحت مادة (الليبرالية) ما يلي:
"جوهر الليبرالية التركيز على أهمية الفرد، وضرورة تحرره من كل أنواع السيطرة والاستبداد".

"الليبرالي يصبو على نحو خاص إلى التحرر من التسلط بنوعيه: تسلط الدولة(الاستبداد السياسي)، وتسلط الجماعة(الاستبداد الاجتماعي)".

ويمكن صياغة ذلك بالمعادلة التالية:
جوهر الليبرالية = التركيز على أهمية الفرد + التحرر من كل سلطة خارجية.

ويحسن أن ننبه إلى أن الليبرالية كنظرية في السياسة والاقتصاد والاجتماع لم تتبلور على يد مفكر واحد، بل أسهم عدة مفكرين في إعطائها شكلها الأساسي.

ففي الجانب السياسي يعتبر (جون لوك) ـ 1632-1704م ـ أهم وأول الفلاسفة إسهاما.

وفي الجانب الاقتصادي (آدم سميث) ـ 1723-1790م.

وكذلك كان لكل من (جان جاك روسو) ـ 1712-1778م ـ و(جون ستيوارت مل) ـ 180-1873م ـ إسهامات واضحة.

وقد تقدم أن الليبرالي مذهب قضيته الإنسان، وعلى ذلك فكل المذاهب التي اختصت بهذا القضية كان لها إسهام واضح في تقرير مبادئ الليبرالية:
- فالعلمانية تعني فصل الدين عن السياسة، كما تعني فصل الدين عن النشاط البشري بعامة، وعلى مثل هذا المبدأ يقوم المذهب الليبرالي في كافة المجالات: السياسية، والاقتصادية، والفكرية، بل لاتكون الدولة ليبرالية إلا حيث تكون العلمانية، ولاتكون علمانية إلا حيث تكون الليبرالية.

- والعقلانية تعني الاستغناء عن كل مصدر في الوصول إلى الحقيقة، إلا عن العقل الإنساني، وإخضاع كل شيء لحكم العقل، لإثباته أو نفيه، أو معرفة خصائصه ومنافعه، والعقل المحكّم هنا هو عقل الإنسان، وهكذا تقوم الليبرالية على مبدأ أن العقل الإنساني بلغ من النضج العقلي قدرا يؤهله أن يرعى مصالحه ونشاطاته الدنيوية، دون وصاية خارجية!!

- والإنسانية تؤمن بالدفاع عن حرية الفرد، والثقة بطبيعة الإنسان وقابليته للكمال، وتقرر التمرد على سلطان الكنيسة.

- والنفعية تجعل من نفع الفرد والمجتمع مقياسا للسلوك، وأن الخير الأسمى هو تحقيق السعادة لأكبر عدد من الناس.

وهكذا فكل هذه المذاهب وغيرها كان لها نصيب في صياغة المذهب الليبرالي، وهذه نتيجة طبيعية لمشكلة كان يعانيها كل المفكرين على اختلاف توجهاتهم، هي: انتهاك حقوق الإنسان في أوروبا.

المزيد عن الليبرالية: إضغط هنا

النظرية السياسية المعاصرة ( الديمقراطية والليبرالية)

السياق التاريخي
في مواجهة صعود الاستبداد ضمن سياق الحروب الدينية، بدأت مع نهايات القرن السادس عشر و بداية السابع عشر تتشكل ما يمكن أن نسميها "المذاهب الديمقراطية"، وهي نظريات وأفكار تدعو لاقتسام السلطة داخل الدولة بين الملك و مجالس أخرى، و مذاهب "ليبرالية" تدعو لوضع حدود لسلطة الدولة. تم بناء الأفكار على أسس فكرية قديمة أهمها: القانون الروماني،الأفكار التي كانت سائدة في المدارس الفلسفية وأهمها أفكار أرسطو، الفكر الجمهوري الإيطالي،الإنسانية، ونضيف لها الأفكار الإصلاحية المسيحية.

أولا ـ جون لوك و نظرية سيادة القانون.

جون لوك هو المنظر الرئيسي لما يمكن أن نسميه "الثورة المجيدة" في انكلترا 1688، هذه الثورة التي شيدت الملكية الدستورية و الليبرالية الاقتصادية. ولد جون لوك في عام 1632.درس الأدب والطب في أكسفورد. أم أهم مؤلفاته فهي ( محاولة حول التسامح، الاختلاف بين السلطة الدينية والسلطة المدنية،رسالة حول التسامح،نصوص حول المسيحية و العقل).

انتقد جون لوك في الجزء الأول من كتابه "تحليل الحكومة المدنية"، الطروحات الملكية لمعاصره "روبيرت فيلمر" التي تقول بأن السلطة السياسية لا يمكن أن تكون إلا ملكية و أن "السلطة الأبوية" للملوك أسست في نفس الوقت بالطبيعية و من خلال الثورة. يقول لوك أن هذه النظرية خاطئة ولابد من اكتشاف واحدة أخرى تتعلق بالحكم. ومن أجل هذا لابد من العودة للحالة الطبيعية عند الإنسان. فما هي هذه الحالة الطبيعية ؟

ـ الحالة الطبيعية:

هي حالة من الحرية و المساواة، حيث لا يوجد تبعية أو طاعة بين البشر، والذين هم من فضاء واحد ونظام واحد، لقد ولدوا من غير اختلاف ولديهم نفس المؤهلات. طبعا هذا الطرح كان قد سبق عصر جون لوك وخاصة في المدارس الفلسفية التي اعتمدت النهج الأرسطي، ثم تم أعادة تشكيله تحت عناوين مختلفة أثناء الثورة الإنكليزية.

الحرية الطبيعية ليست من غير حدود عند لوك. إنها محددة بما سماه "قانون الطبيعة" نفسه، هذا القانون يمتزج مع العقل والذي يعلم جميع الناس أن البشر جميعهم متساوون ومستقلين ،يجب ألا يضر أحد أحدا آخر، لا في حياته ولا صحته ولا حريته. نفس المنطق في الحق الطبيعي يتطلب أن يكون لدي القدر على محاسبة الذي يشكل أذى لي أو يضرني، هذا الذي يغتصب القانون الطبيعي. والجميع في حالة الطبيعة يمتلكون هذا الحق الذي يتكون من جانبين أساسيين : إعاقة ضرر الآخرين، و الحصول على الحق في محاول وقوع هذا الضرر. هذا الحق في الدفاع عن النفس وفي العقوبة هو أيضا له حدود، حيث لا نستطيع أن نفعل ما نريد مع شخص مذنب.

في الواقع من العبث القول أن الإنسان سيطبق القانون في غير مصلحته، لأن "حب الذات" كما يقوا لوك يجعل من البشر متحيزين لمصالحهم و لمصالح أصدقائهم. بالتأكيد، ولهذا السبب سنرى أن الإنسان يسعى للخروج من الحالة الطبيعية إلى حالة أخرى نتحدث عنها لاحقا.

نرى جون لوك أنه مازال يصطف خلف التقاليد القديمة الموروثة من (أرسطو،سان توماس،و غروتيوس)، حيث أن حالة الطبيعة هي منذ البداية حالة اجتماعية، البشر مجبرون للقيان بأشياء تجاه بعضهم البعض، حتى ولو لم توجد حالة مدنية أو حالة سياسية.
ـ الانتقال من الحالة الطبيعية إلى الحالة السياسية.
ترافق الحالة الطبيعية العديد من الصعوبات. حيث ملكية الفرد أو الإنسان في هذه الحالة معرضة لضعف وهشاشة كبيرة. يقول جون لوك هنا :" إذا كان الإنسان حرا في حالة الطبيعة وسيدا مطلقا على شخصيته وأملاكه، إلا أنه ليس الوحيد الذي يمتلك ويعيش نفس الحرية، فالجميع لديهم نفس المميزات والقسم الأكبر منهم لا يحترم المساواة ولا العدالة، وهذا يعرض الملكية للخطر وعدم الثبات. ضمن هذه المشكلة لابد من البحث عن علاج.

ولكن السؤال هنا: هل نترك الحالة الطبيعية للبحث عن حالة أكثر سوءا منها ؟

حالة الطبيعة حتى ولو كانت عابرة وغير ثابتة إلا أنها عند جون لوك تختلف عن ما جاء به "هوبز". هوبز يرى أن الحالة الطبيعية هي قاتلة، فمن أجل حماية الحياة نحن جاهزون لكل شيء،وخاصة للتضحية بالحرية. بينما عند لوك لا نصل للحديث عن فقدان الحياة بل عن الازدهار ، لذلك لا يمكننا الانتقال للحالة السياسية إذا كنا سنفقد ميزات الحالة الطبيعية. ولن نغير حالتنا الطبيعية إذا لم نحصل في الحالة الجديدة على ميزات أكثر من الحالة الماضية.

من أجل وضع حد أو نهاية لضعف وهشاشة الحياة في الحالة الطبيعية، لابد من أن نجتمع أو ننتقل إلى الجماعية. حيث يتخذ الإنسان قرارا بالاتصال بالإنسان الآخر، من أجل حماية بالتبادل لحياتهم،لحريتهم ولأملاكهم. وحتى يصيح هذا ممكنا، يجب و يكفي أن كل فرد من بين الجماعة يمتلك و يمارس حقه الطبيعي ، وهنا لن يكون لديه القدر على الحصول على حقه أو يثأر للضرر الواقع عليه لأنه أصبح يعيش في جماعة وليس لوحده. إذا الجماعة هنا عليها أن تمتلك القوانين والتي من خلالها تتم المحاسبة ثم تنفيذ الأحكام، في هذه الحالة الحق الطبيعي في العقوبة سيكون مضمونا من قبل الجماعة بدل من أن يقوم كل فرد وبنفسه بتحصيل أو تطبيق الأحكام.

نستنتج هنا الصفات الثلاث الجوهرية للاجتماع السياسي. هذا الاجتماع سيكون لديه :1ـ قوانين، معروفة وواضحة ومجربة.
2ـ قاض يطبق القوانين بشكل موضوعي، وهذا ممكن لأنه لا يطبق قوانينه الشخصية بل قوانين الجماعة أو المجتمع السياسي.
3ـ سلطة تستطيع تنفيذ الأحكام ، وهذا ممكن أيضا لأن من سيملك السلطة هي قوة مشتركة مكونة من كل الجسم الاجتماعي.

من يريد مميزات قيام الدولة عليه القبول و احترام هذه القوانين التي تكفل الحرية التي كفلتها القوانين الطبيعية. و بالتالي يتم التخلي عن الحق الطبيعي في العقوبة لصالح السلطة ( إلا في حالات الدفاع عن النفس حيث الضرورة والحالة الطارئة لا تسمح للسلطة بالتدخل الفوري).

هنا ننتقل لما نسميه "العقد الاجتماعي"،هذا العقد الذي لن يجعلنا نخسر أو نفقد حقوقنا في تبادلها مع الآخرين لأن:

ـ العقد الاجتماعي سيحمي الملكية، أو جوهر الحقوق الطبيعية.

ـ يتم التخلي عن الحقوق التي ليست من الأولويات، لأن الدولة ستنوب عن الفرد في ممارستها، وسيكون هذا لصالح المجموع.

إذا يمكننا في النهاية أن نختصر نظرية العقد الاجتماعي عن جون لوك بما يلي : حقوق انتقلت إلى الدولة حيث كانت في حالة الطبيعة :

وفيها (الحق في تفسير القانون الطبيعي ،الحق في الحكم،الحق في العقوبة). وأصبحت في المجتمع السياسي:( سلطة تشريعية، سلطة قضائية، سلطة تنفيذية). أما بالنسبة للحقوق المتعلق بالفرد ، انتقلت من حق الملكية الطبيعي إلى حق الملكية القانوني.

ـ الاجتماع السياسي و حماية الملكية.

الخروج من الحالة الطبيعية ليس لديه معنى إلا إذا أوصلنا لحماية أفضل للملكية التي يملكها الإنسان في الحالة الطبيعية . فالدولة ليس لوجدها سبب إذا لم تكن تستطيع حماية الملكية. وهنا يقول جون لوك :"النهاية الرئيسية و الجوهرية، لوضع يكون فيه الناس مجتمعين أو خاضعين لجمهوريات أو حكومات، هي حماية و الحفاظ على ممتلكاتهم". وهنا الدولة يجب ألا تستخدم قوة المجتمع ،في الداخل، إلا من أجل ضمان تطبيق القوانين، وفي الخارج، من أجل حماية الدولة من الاعتداءات الخارجية، ووضع المجتمع في حماية من الغزو أو الاجتياح.

ـ حدود السيادة.

من الوظيفة الأساسية للمجتمع السياسي في حماية "المجال الخاص" سيكون لدينا وظيفة أخرى كبرى: وهي حدود السلطة السياسية. يقول جون لوك في هذا الصدد:" بما أن المواطنين ليس لديهم اهتمام آخر إلا القدرة على الحفاظ على شخصياتهم،حريتهم، ملكياتهم، فإن سلطة المجتمع و السلطة التشريعية المقامة من خلالهم لا تستطيع الافتراض أن من واجبها الامتداد بشكل أوسع و أبعد من حماية الخير العام. هذه السلطة يجب أن تضع في مأمن وتحافظ على المجالات الخاصة لكل إنسان.

إذا السلطة التشريعية، إذا كانت عليا ( أعلى مصدر تشريعي في الدولة)، فهي ليست مطلقة، إنها محددة كالدولة نفسها، من خلال القوانين الطبيعية. ويقول جون لوك في هذا الشأن:" إنها سلطة ليس لها غاية سوى الحفاظ على الحقوق، فليس من حقها التدخل في تحديد أي موضوع. قانون الطبيعة يستمر دائما كقاعدة أبدية بالنسبة لكل البشر، عند المشرعين وعند غيرهم، وقوانين المشرع يجب أن تنطبق مع القوانين الطبيعية".

جون لوك يشكل هنا في نظريته ما سيصبح قلب أو مركز مذهب حقوق الإنسان، و الذي كل الديمقراطيات الليبرالية الحديثة تعترف به كمؤسس لها، حيث هذه الديمقراطيات جعلت من مبادئ جون لوك مبادئ عليا لها.

ـ شروط قيام و تجديد العقد الاجتماعي.

إن المفهوم الذي قدمه جون لوك "للعقد الاجتماعي" ليس مفهوما طوباويا لا يمكن تحقيقه. إنه لا يتخيل أن الناس يجتمعون في يوم جميل و يخلقون الدول بواسطة اقتراع شكلي. إنه يفهم العقد الاجتماعي أن بإمكانه أن يكون بشكل متعاقب متتالي و ضمني. لقد دفع لوك هذه الموضوع و التفكير فيه بشكل كبير نحو الأمام. حتى أكثر مما قدم جان جاك روسو في "العقد الاجتماعي". أما الشروط التي تحدث عنها جون لوك فهي :

1ـ ضرورة الانتساب الطوعي:
الإرادة الطوعية في الانضمام على العقد الاجتماعي، وفي كل الظروف، هي مطلوبة حتى يكون العقد سليما وصالحا. بحيث لا أحد يمكن أن يسحب الحالة الطبيعية ويخضع للسلطة السياسية للآخرين من غير إرادته الخاصة.

2ـ تاريخية "العقد الاجتماعي"، أي حصوله تاريخيا:
فيما يتعلق بالعقد الاجتماعي الطوعي يمكن أن نقدم اعتراضين على هذا المفهوم : الأول، عدم وجود مثال تاريخي لمجتمع سياسي بدأ بعقد اجتماعي. ثانيا، وهذا من جهة أخرى مستحيل، حيث كل إنسان ولد في دولة ومن هنا حريته هي منذ البداية متنازل عنها، فهو ليس حرا برفض العلاقة التي أخذها وربطته مع الآخر في مكان وجوده أو في مكان آخر.

فيما يتعلق بغياب المثال التاريخي، جون لوك يعترف بالعقبة. فالانتقال من مرحلة الطبيعة إلى المرحلة الاجتماعية ضاع غياهب الماضي. رغم ذلك، يعتقد لوك أن الحكومات الملكية البدائية أنها كانت ثمرة لعقد اجتماعي. باختصار، الدول هي في الحقيقة تشكلت بواسطة عقد اجتماعي طوعي، حتى ولو كان هذا العقد في الغالب ضمنيا و نتيجة لتتابع أو توال في الانضمام الفردي إليه.

ـ مذهب الحرية برعاية القانون أو " دور القانون".

رأينا أنه في عملية الارتباط أو التجمع السياسي، القوانين الناتجة عن الطبيعة تتجسد في القوانين المدنية. وعلى هذه القوانين تستند الأحكام والقضاء. "دولة لوك" هي حكومة من القوانين وليس من البشر، هي حالة من حكم القانون. من هذا المفهوم و الذي كان قد خضع للتداول في إنكلترا قبل جون لوك، يستنتج جون لوك أو يعطي تحليلا خاصا واضحا وعميقا. إنه يبين أن "دور القانون" و الحرية لا يمكن فصلهما وكل منهما يشترط الآخر. هذا المذهب سيشكل جوهر الليبرالية الحديثة.

أولاـ جوهر الحرية.

لا بد في البداية من الإشارة أن الحرية لا تعني القدرة على فعل كل شيء. إنها شيء آخر، إنها عدم الخضوع لسلطة تعسفية للآخر. " الحرية الطبيعية للإنسان هي عدم خضوعه لسلطة تهيمن على إرادته، الحرية ترتكز على أن تكون غير معيقة أو تشكل عنفا ما ضد الآخرين". بمعنى آخر الحرية ليست سلطة بل هي علاقة اجتماعية، وعكس الحرية ليس الضرورة بل التعسف و القهر.

ثانياـ جوهر القانون.

يتطرق لوك لهذا الموضوع بعناية ودقة. إنه يبين أن ، إذا القانون استطاع أن يلعب هذا الدور، هذا يعني أن له قيمة معرفية إدراكية: إنه قبل كل شيء معرفة ما يتوجب علينا فعله وما يجب ألا نفعله. إذا إنه يعطينا الوسيلة الفكرية لتجنب كل خلاف معه و يعطي للآخرين نفس الوسيلة بالنسبة لنا.

ثالثاـ العلاقة بين القانون والحرية.

القانون عندما يدرك ويتم فهمه فإنه يجعل الحرية ممكنة. فحيث لا يوجد قانون لا توجد حرية. في حكم القانون و سلطته، قدرتنا على التصرف محدودة، حيث لا يمكننا معارضة القانون في التعدي على أملاك الآخرين أو على حريتهم. بالمقابل حريتنا غير محددة، في أشياء أو أسباب جيدة، أي عندما نتصرف وفق القانون. أما قوة الدولة في "حكومة من القوانين وليس الأشخاص" لا يمكنها التدخل غلا وفق القانون، القاضي لا يستطيع أن يقضي إلا وفق القانون. لذلك التعسف والقهر ضد الفرد لا ينتج من سلطة ناتجة عن إرادة هذا الفرد.

وفي دولة جون لوك، الناتجة عن عقد اجتماعي، التعسف الدولاتي تم تقليصه على أبعد حد، ذاك الحد الذي سيكون ضروريا لحماية الحرية.

ـ صفات القانون. 

حتى يستطيع القانون أن يلعب الدور الذي يريده له جون لوك، لابد أن يكون مؤكدا وواضحا في الموضوع الذي يتناوله. لأن أي غموض في القانون سيؤدي للإضعاف من قيمته المعرفية. يحدد جزن لوك صفات القانون بما يلي :
ـ الوضوح : أي الابتعاد عن الغموض في صياغته. ونحن نعرف من ايام الرومان أن كل تقدم في القانون هدف للبحث عن أدوات معرفية فكرية تسمح بتقليل الغموض في القوانين.

ـ العمومية:
ينتج تعميم القانون من خلال مفهومه. على القانون ألا يصدر عن شخص أو يستهدف شخصا،فالقانون المدني يجب أن يكون عاما كما هي قوانين الطبيعة.

ـ نشر القانون والإعلان عنه:
القانون ليس المطلوب فقط معرفته، بل يجب أن ينشر أمام الجميع.بمعنى الجميع يعرفون بأن الجميع قد علموا وعرفوا بهذا القانون. و بالتالي هناك واجبات من قبل الجميع تجاه هذا القانون. أيضا القانون يشكل وسيطا بين جميع المواطنين يساعدهم على الاتصال فيما بينهم ويشكل تصرفاتهم تجاه قضايا معينة.

ـ ألا يكون للقانون مفعول رجعي:
هذه صفة ملازمة للصفة الماضية أو ناتجة عنها. إذا كان القانون ذا مفعول رجعي، فهذا يعني أنه وجد زمن خلاله هذا القانون لم يكن منشورا أو معلنا عنه، وخلال هذا الزمن لا يوجد أي مواطن كان يعرف أن هذا القانون ساريا.
ـ الاستقرار: منذ لحظة الإعلان عن القانون، هذا يعني بعدم تطوير التشريع إلا ببطء كبير. فالتشريع الذي يتغير باستمرار لن يكون لديه الوقت لكي يصبح عاما ويعرف الجميع،و بالتالي لن يشكل قاعدة من أجل تعاون المواطنين فيما بينهم، ولا من أجل الحفاظ على حرياتهم في مواجهة السلطة.

ـ المساواة:
 فكرة المساواة أمام القانون هي فكرة قديمة، لكن نظرية لوك السياسية و حول القانون تضيف الجديد على الفكرة. السبب الذي من أجله يجب أن يكون القانون مساويا للجميع هو سبب إدراكي معرفي وليس سببا أخلاقي. إذا من الواجب أن تكون القوانين مساوية للجميع، هذا لأنها الوسيلة الوحيدة حتى يعرف كل واحد بماذا هو مرتبط ومتمسك ، ومهما كان الشخص الذي يندمج أو يعيش معه. و إذا الآخر ليس لديه نفس الحقوق التي أملكها، لا استطيع أو لا أعرف كيف سأتفاعل معه، حيث أنني في حالة عدم المساواة، سأجهل الواجبات القانونية التي يخضع إليها الآخر بالنسبة لي، و ما هي واجباتي القانونية تجاهه.

لقد أكد جون لوك في نظريته السياسية على الصفات المتعددة للقانون ، حتى يكون بإمكانه إدانة جميع السياسات التي تستخدم القوانين الطارئة، التعسفية والقمعية تجاه الإنسان. ثم إدانة القوانين التي تشرعها الأكثرية و لا تأخذ بظروف الأقلية وحاجاتها. إذا حصل هذا من تجاوزات للقوانين وعدم اكتمال صفاتها المذكورة فإنه من الأفضل كما يقول لوك العودة إلى حالة الطبيعة.

إن جون لوك يؤسس بنظريته السياسية و القانونية، نظرية كاملة للثورة في بلاده، مبررا الثورة التي قامت في عام 1688 أو ثورة " ويغ" Whig ، ولكنه أيضا وضع أسسا للثورات المستقبلية في الولايات المتحدة وفرنسا. لقد تفرد جون لوك في نظريته من خلال طرحه لمبدأ المقاومة ضد الأنظمة السياسية الطاغية، و إدخال هذا الحق في رفض الاضطهاد كمبدأ من المبادئ الدستورية، هذا المبدأ الذي أصبح عضويا في كل دستور ولا يمكن فصله عنه.

كتبوا عن الليبرالية والإسلام في جريدة الرياض بقلم منصور تركي الهجلة:

بدأت النقاشات تتجدد منذ أيام في البحث حول فتوى تكفير الفكر الليبرالي وهي وإن كانت فتوى عادية لم تلامس مستوى البحث العلمي والمعرفي لهذه المفردة، لكن الإشكال لم يقبع في الجواب الذي كان واضحاً وبسيطاً لا يصعب فهمه لأبسط الناس، لأن الإسلام بأركانه وركائزه القطعية لا خلاف في أنه توحيد الله وإفراده بالعبادة وطاعته ونبذ الشرك فيه سبحانه وتعالى، لكن السؤال الذي ظهر في الفتوى يبدو وكأنه جزء من الجواب كالعادة التي تمارس دائماً في الأسئلة التي توجه لبعض المفتين، وذلك لأن السائل يريد أن يصل سؤاله كجزء من الجواب، وهذه من حيل بعض المستفتين - سواء بقصد أو بدون قصد لأنها غدت عادة -، وخصوصاً إذا كانت في سياق خصومات شخصية، أي في حالة وجود خصومات ظرفية لأشخاص معينين، فيتجاوز الجواب موضوعيته بسبب تشخيص السؤال وتحديده في سياق واحد.(1)

في البداية لا أريد أن أدعي صعوبة توضيح مفردة الليبرالية وأزعم تشظي معناها وعدم إمكانية تحمل لساننا العربي لمضامينها كما ورد على لسان البعض مدعياً عجزنا عن فهم الرقي الحضاري الغربي بلسانيته ولغاته التي يتشكل منها البرهان في تقاسيمها وتقازيحها؟!، فالغموض الذي يذكر هنا تهويلاً لمثل هذه المصطلحات هو مجرد دعوى بالإمساك لزمام التميز في استخدام هذه المصطلحات التي يظن رقيها إنسانياً وحضارياً، كما أن هذا الغموض وهمي لأن الغموض "في المستوى العلمي ليس غموضاً إلا لمن لم يتعود على استعمال اللغة العلمية وفهم أسرارها التي لا سر فيها إذا حضرت في بعدها الذريعي لصياغة القوانين العلمية، ليس القول العلمي في الحقيقة إلا أكثر الأقوال سطحية عندما نعلم أسرار لغته، إذا حضرناه في أدنى أشكاله التي تجعله مقابلاً لقول أكثر منه إفادة لأسرار الوجود".

لاشك ان الليبرالية في أساس معناها تعني الحرية، وكل المعالجات العلمية لموضوع الحرية هي معالجات لإشكالية الليبرالية، بينما قد ينصرف اللفظ في استعمالاته التاريخية والظرفية إلى بعض المفاهيم الخاصة عند النخب العلمية والفكرية والسياسية في الغرب، لذا ستكون المعالجة لموضوع (الليبرالية) من خلال بحث الموقف من الحرية.

ومن أساسيات البحث الفلسفي لموضوع (الحرية) هو موضوع النظر في فلسفة العمل الإنساني من حيث الإطلاق والنسبية، ومن حيث إثبات وفصل المتعالي والمطلق عن العمل الإنساني، ويكفي لي هنا أن أشير إلى أن أساس العمل هو الإرادة، وهو ما يميز الإنسان التاريخي عن سائر الأفعال الجارية في الطبيعة، لذا فإن العمل كفعل تاريخي بعد (ما ورائي) يمكن أن نسميه ما بعد التاريخ وهو الغيب الذي لم يطلع عليه الإنسان، لأنه هنا القيمة التي يسعى الإنسان لتحقيقها ومطابقتها، وهذه القيمة إدراكها بإطلاق غير ممكن إلا عند إكساب الإنسان وصف الإحاطة بإدراك ومطابقة القيمة إما بادعاء تحكمي لقدرة الإنسان وإرادته على المطابقة والزعم بأنه الكامل وذلك بانتفاء الإرادة والحرية الإلهية الكاملة بإطلاق مما يعني تأليه الإنسان، أو تنسيب القيمة بحيث تصبح معيارها وجودياً هو إرادة الإنسان وفق أعدادها رياضياً، وكلاهما موقفان إلحاديان ينفيان ما يتعالى عليهما، وهما أساساً الجحود والضياع الذي وقع فيه الإنسان الحديث والمنتجان لكل الأمراض المعاصرة التي أطلقت عنان الإنسان ليفسد في الحرث والنسل ويصبح الإنسان كالحيوان مرجعاً منطق عمله وفقاً لعمل الطبيعة لكونه جزءاً منها، تسيره فوضى الحرية المزعوم طبيعتها، ومن هنا تأتي فلسفة الحق الطبيعي الذي هو في الحقيقة غير طبيعي، لأن الإنسان فطر على الاجتماع كما قال أفلاطون (الإنسان مدني بطبعه) وهو نفس الانتظام الطبيعي الذي فطرت وخلقت عليه الكائنات والجمادات، إلا أن هذا الانتظام لا يدرك حقيقة وكامل ما هو عليه وفقاً لأسراره الوجودية التي هي ميتافيزيقاه لمحدودية الإنسان ونسبية إدراكه إلا بفهم أشياء يسيرة يهتدي إليها ببحثه وسيره في مناكب الأرض.

وفلسفة التنوير الأوربية بالغت في ردة الفعل ضد التسلط الكنسي لتبدأ بالإصلاح البروتستانتي الذي أبقى على ألوهية عيسى عليه السلام كمرحلة لإطلاق الحرية بادعاء إطلاق عمل الإنسان يقول هيجل: "لم يصل إلى الوعي بأن الإنسان بما هو إنسان حر إلا الأمم الجرمانية في المسيحية (يقصد هيجل إصلاح لوثر) وأن حرية الروح هي التي تمثل طبيعته الأكثر خصوصية، وهذا الوعي قد حصل أول ما حصل في الدين أي في الأعمق من باطن الروح، لكن تحقيق هذا المبدأ في العالم كان مهمة أكبر يقتضي علاجها وإنجازها الفعلي عملاً تربوياً خطيراً وطولاً (يقصد هنا نفسه ومن قبله مثل كانط وصديقه شيلنج). (2).

ويقول هيدجر: "وخامسة ظاهرات العصر الحديث هي ظاهرة تعطيل الآلهة، ولا تعني هذه العبارة مجرد إبعاد الآلهة أي الإلحاد الخشن، بل إن تعطيل الآلهة هو الحدث المضاعف المتمثل في كون رؤية العالم قد تمسحت (أي صارت مسيحية) من جهة أولى، إذا اعتبر أساس العالم هو اللا متناهي واللا مشروط والمطلق، وفي كون المسيحية من جهة ثانية قد أولت مسيحيتها تأويلاً جعلها تصبح رؤية للعالم (رؤية العالم المسيحية)، جاعلة نفسها من ثم خاضعة لمعايير العصر الحديث، إن تعطيل الآلهة هو حالة عدم الحسم في أمر الإله والآلهة، وقد كان للمسيحية اكبر سهم في الوصول بذلك إلى ذراه، لكن تعطيل الآلهة لا يستثني التدين، بل إن الصلة بالآلهة لم تصبح بالأحرى تجربة تدين بفضل هذا التعطيل، وما ان تم ذلك حتى هربت الالهة، فعوض الإنسان ما نتج عن ذلك من فراغ بالبحث التاريخي والنفسي في الأسطورة" (3).

وتأويل المسيحية هو عين التأويل الأول الذي كان جرمانياً - كما يقول هيجل - ثم وصفه بأن تحقيقه هذا ا لتأويل في العالم اقتضى علاجاً وإنجازاً فلسفياً آخر هو نفس ما يشير إليه هيدجر، إذ أصبح الإنسان نفسه يدعي إطلاق إدراكه وإرادته وينفي ما يتعالى عليه في مبدأ (تعطيل الآلهة) ليكون الإنسان حراً بإطلاق، وهو عين تأليه الإنسان وتزعمه سنام العمل في الطبيعة ليفجر طاقته التي تتضمن صلاحاً وخيراً بقدر أكبر من الفساد في الأرض.

هذا هو مفهوم الليبرالية في أعمق تمثلاته الفلسفية في الحضارة الغربية، لذا كان من التبسيط بمكان تجاهل من تكلم في هذا الموضوع عن تأسيس مفهوم الليبرالية على الفكر المسيحي المحرف والذي جعل نقطة انطلاق (رمز حلول الإله في المسيح عليه السلام لتحل الروح بحسب تعبير هيجل في الإنسان الذي حل فيه الإله فصار تعين المطلق متحققاً في التاريخ).

يقول أبو يعرب المرزوقي: "ورغم ان هيجل لا يجهل ان القيم الجماعية ليست كلية بإطلاق، فإنه يعتبرها كلية عينية ممثلة للتدرج التاريخي نحو الكلية المطلقة، لكونه يتصور الروح المطلق - الله - ذا تحقق تاريخي، ليست ذاته إلا ظهوره في تعيناته التي هي مخلوقاته، فيكون مخلوقاً حتى وإن نسبت مخلوقيته لخالقيته، وإذا بالتعينات التحكمية لمدارك التعالي عند البشر تصبح عين المتعالي ذاته مردوداً إليها وحصراً فيها.

وذلك هو عينه ما أطلقنا عليه صفة توثين التاريخ بتأليهه - يقول هيجل - (وهكذا فمثلما أن الإنسان الإلهي الشخصي - أي المسيح - له أب موجود في ذاته، وليس له إلا أم ذات وجود فعلي، فإن الإنسان الإلهي الكلي يكون فعله وعلمه الذاتيان أباه، أما أمه فهي الحب الخالد الذي يقتصر على الإحساس به دون أن يدركه في وعيه موضوعاً حقيقياً مباشراً لذلك فالمصلحة بين وجهيه هذين (الممثل لهما بالأب والأم أعني: الواقع الفعلي أو التاريخ، والمثال أو الله) توجد في قلبه، لكنها مصالحة منفصلة عن وعيه، إذ وجوده ما يزال متشظياً، فما يظهر في وعيه أمراً في ذاته، أعني وجه التوسط الخالص، يكون صلحاً موجوداً في العالم الآخر، أما ما له صفة الوجود الحاضر بصفة وجه المباشرة والوجود الفعلي، فإنه العالم الذي عليه أن ينتظر تصعيده).." (4).

إذن فالليبرالية المطلقة التي تعني إطلاق حرية وإرادة الإنسان هي وثنية تتعارض تماماً مع أساس الفكر الديني الإسلامي الاستخلافي في أصل تصوره، ولا يمكن بهذا الاعتبار أن يتم القول بأن وصف الليبرالية والإسلام يجتمعان.

أما الليبرالية النسبية التي تعترف بنسبية ومحدودية عمل الإنسان مع الإيمان بالله ذي الإرادة الكاملة والحرة كونياً (المشيئة) وشرعياً (القرآن)، فهي مما يمكن معالجته حسب المجالات التي تنتمي إليها، وقبلها يمكن رد التمثل لليبرالية بالمعنى النسبي في مستويين: مستوى الضمير والسلوك الذاتي المرتبط به مثل: الإيمان بالله، والطاعة له سبحانه، ومستوى السلوك الخارجي المتعدي الذي يرتبط بالمجتمع في السياسة والاقتصاد، فالمستوى الأول يرتبط بالديانة ومسؤولية الضمير تجاه دينه، والمستوى الثاني يرتبط بالقضاء (الاقنون) ومسؤولية الشخص بالتزامه الظاهر بالاقنون الذي فرضه المجتمع (سواء كان مصدر الإلتزام إلهياً أو بشرياً).

وبناء على ما سبق بيانه نأتي إلى بيان معنى الليبرالية في مجال تداوله الغربي والذي مرَّ بثلاث مراحل تأتي مرتبة من الأدنى إلى الأعلى:

المرحلة الأولى: الليبرالية بمعنى الحرية السياسية وتعني التحرر من سلطة الكنيسة.

المرحلة الثانية: الليبرالية بمعنى الحرية السياسية وتعني التحرر من سلطة الدولة.

المرحلة الثالثة: الليبرالية بمعنى الحرية الخُلقية وتعني الحرية الفردية المطلقة من سلطة المجتمع والدين والدولة.

والدول الغربية وغيرها تتحد في المجالين الأول والثالث إلا أن الاختلاف النسبي والكبير في موضوع الحريات الاقتصادية من حيث حجم تدخل الدولة بين الرأسمالية والاشتراكية، كما هو معروف في الاختلاف بين أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية.

وموقف الإسلام واضح في عدم المعارضة لليبرالية بمعنييها الأوَّلين اللذين يعنيان التحرر من سلطة الكنيسة والدولة سياسياً واقتصادياً، ويكون مرجع ذلك هو تواطؤ المجتمع على طبيعة الأنظمة التي تحكمها وفقاً للمبادئ التي يؤمنون بها والتي تحقق مصالحهم دنيوياً وأخروياً، وهنا يأتي الوقوف عند عبارة (القانون الوضعي) التي هي في حاجة إلى استفصال مثل عبارة (الليبرالية)، لأن الوضعي لا يعني دائماً مقابلته للشرعي (الشرع الإسلامي)، بل قد يكون القانون الوضعي شرعياً، إذا كان وفقاً للمصالح التي يقررها المجتمع، إذا كنا نقول بأن الشرعي يشمل ما يقرُّ وفقاً للمصالح الثابتة بالقياس الأصولي التمثيلي أو الشمولي (التي يسميها البعض مرسلة).

كما أن أي مجتمع بشري قد يتواطأ بوضع أي مرجع يحكمهم سواء كان أصله إلهياً أو سماوياً أو كان أصله وضعاً بشرياً، فأصل التواطؤ بتحكيمه تصرُّف وضعي وإن كان المصدر غير وضعي بل إلهي وهو عند المسلمين كتاب الله وسنَّة نبيه صلى الله عليه وسلم، وقد يعني الوضع احياناً ما هو يناقض أو لا يتوافق مع الإسلام، وهذا استخدام مُلءبس يستخدمه بعض المفتين دون باين.

وحرية الضمير مقرة شرعاً في آيات كثيرة في الكتاب العزيز لأن الالتزام بالإسلام وأحكامه لا يكون إلا طوعياً لا إكراهياً إذا كانت تلك الأحكام ترتبط بالقانون العام والتي يحاسب عليها القانون والقضاء، لذا تقرر كثير من الآيات تقرير مصير البعض بأنها إلى الله حيث ترجع الأمور.

ولا يمكن ان يجعل الشخص حريته الخلقية تعدياً على الجماعة بالسلوك الذي لا يتوقف في ما اختار لذاته فيريد العدوان على الأخلاق العامة بخياراته الخلقية الخاصة، وهنا تصبح القضية قضية نظام عام وهو واحد سواء كان اعتمادنا على الشرع (النصي) أو الوضع (المصلحي).

وعليه لا يصح تجويز أو تكفير عبارة (مسلم ليبرالي) لأنها لفظ محدث مجمل، غدا عند البعض موضة وللأسف، ارتضى إطلاقها على نفسه بعض المقلدين بل جعل البعض يقابلها بعبارة (تقليدي أو ديني) وكأن صاحبها يتفتق جدة واجتهاداً، وهو في الحقيقة لا يرعوي عن التقليد ولا ينتصر للإبداع والتجديد.

وما سبق هو من التفصيل الواجب سلوكه، لأنها من الألفاظ المحدثة التي يجب الاستفصال في معانيها، دون أن يكون الرفض مطلقاً خصوصاً إذا تضمن معاني حقة وصحيحة، وهو من القسط والعدل في القول، يقول سبحانه: (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى).


الهوامش:

(1) المرزوقي، في العلاقة بين الشعر المطلق والإعجاز القرآني، دار الطليعة بيروت، (ص 199).

نفس المرجع، هامش (ص 52) بترجمة المؤلف

(3) نفس المرجع، (ص 90) بترجمة المؤلف

(4) المرزوقي، وحدة الفكرين الديني والفلسفي، (ص 46)


جمع : هيثم سمور

ليست هناك تعليقات:

;