الأحد، 16 يناير، 2011

هل تعرف حبيب بن أوس الطائي ؟

قال أشعر العرب ولا أستثني أحداً ، أو كما قال !

عبارة أُثِرت عن الأديب السوري الكبير علي الطنطاوي رحمه الله حينما يتحدث عن أبي تمام ذلك الأسطورة العجيبة الذي خلّد الشعر حكمته وأثبتت الرواة بلاغته ، حتى أصبح هو والمتنبي كفرسي الرهان ، ولو أنَّ الأكثر يقدمون المتنبي عليه إلا أنَّ هناك من فضَّله كالشيخ علي الطنطاوي رحمه الله وغيره من أرباب الصنعة .


فمن هو ؟ وما هي روائعه ؟


سنسرد هذا باختصارٍ في هذه الوقفات اللطاف من سيرة ذلك الشاعر العباسي الحكيم !

هو حبيب بن أوس الطائي ، قيل أنّ أباه أباه كان نصرانياً فأسلم وقيل بل هو عربي صريح النسب من قبيلة طيء كما قال الصولي والأصفهاني ، ولد بقرية جاسم من قرى الشام سنة 190 هـ تقريباً ، إرتحل فيما بعد إلى مصر وسنة لم يتجاوز 12 سنة في الغالب فنشأ بها يسقي الناس الماء بالجرة في جامع عمرو ، وقيل غير ذلك ، وقد استفاد من وجوده بالقرب من الجامع في النهل من ينابيع العلم التي كانت تقام فيه في شتى العلوم كالفقه والتاريخ واللغة والشعر والحديث والفلسفة ، ويحفظ ما استطاع منها فتكونت لديه تلك الثقافات التي يتضح أثرها جلياً في شعره .

ترك مصر بعد ذلك يؤم الشام ، ثم ينتقل منها إلى العراق دار الخلافة وعمره 26 سنة تقريباً ، ثم يتنقل بينها وبين خراسان والشام ومصداق ذلك قوله في قصيدته الشجية :

ما اليوم أول توديعي ولا الثاني .. البين أكثر من شوقي وأحزاني
في الشام أهلي وبغداد الهوى وأنا .. بالرقمتين وبالفسطاط إخواني


من أشهر قصائده ؟


قصيدة فتح عمورية التي قالها مهنئاً المعتصم بهذا الفتح الجليل ومطلعها :

السيف أصدق أنباء من الكتبِ .. في حده الحد بين الجد واللعبِ
بيض الصفائح لا سود الصحائف في .. متونهنَّ جلاء الشك والرِّيَبِ

وهي 70 بيتاً أبدع فيها أبو تمام أيما إبداع ، وقيل أنَّ المعتصم أعطاه على كل بيتٍ ألف دينار ، فقال لو كنت أدري لزدت عليها ، حكى ذلك بن القيم رحمه الله .

- قصيدة أخرى تكشف لنا عن مدى عبقريته الفذه ، فقد حُكيَ أنه أنشد أحمد بن المعتصم قصيدة فقال فيها :

إقدامُ عمروٍ في سماحة حاتمٍ .. في حلمِ أحنف في ذكاء إياس

فاعترض الفيلسوف الكندي وكان حاضراً ، فقال : "الأمير فوق من وصفت من أجلاف العرب " ، فأطرق أبو تمام قليلاً ثم قال :

لا تنكروا ضربي له من دونه .. مثلاً شروداً في الندى والباسِ
فالله قد ضرب الأقل لنوره .. مثلاً من المشكاة والنبراسِ

يعني ماجاء في سورة النور ، فقال الكندي : هذا الفتى قصير العمر لأنه ينجت من قلبه ، وقد أعجب بذكائه .

مختارات من روائعه وهي أبلغ من أن تحصى أوتستقصى ؟


ما أنسى لا أنسى قولاً قاله رجلٌ .. غضضتُ في عقبه طرفي وأجفاني
نَلِ الثريا أو الشعرى فليس فتىً .. لم يُغْنِ خمسين إنساناً بإنسانِ

-----------

من كان مرعى عزمهِ وهمومهِ .. روض الأماني لم يزل مهزولا

-----------

بصرت بالراحة الكبرى فلم ترها .. تُنال إلا على جسرٍ من التعبِ

-----------

أتاني مع الركبان ظن ظننتهُ .. لففتُ لهُ رأسي حياءً من المجدِ
كريمٌ متى أمدحهُ أمدحهُ والورى .. معي وإذا ما لمتهُ لمتهُ وحدي

-----------

ولكنني لم أحوِ وفراً مجمعاً .. ففُزتُ بهِ إلا بشملٍ مبددِ
ولم تُعطني الأيامُ نوماً مسكَّناً .. ألذُّ بهِ إلا بنومٍ مشرَّدِ

------------

ليس الحجابُ بمقصٍ عنك لي أملاً .. إنَّ السماءَ تُرجَّى حين تحتجبُ !

-----------

وإذا أراد الله نشر فضيلةٍ .. طُويت أتاحَ لها لسانَ حسودِ
لولا اشتعالُ النارِ فيما جاورت .. ما كان يُعرفُ طيبُ نفح العودِ

وبلاشك أنَّ له من الأبيات الماتعة والحِكم السائرة الشيء الكثير ولكن كما قيل هذا غيض من فيض ، وأعتقد أنَّ من تعلق بديوانه وردد روائعه شعره ، سيفتح له من مدينة البلاغة باب ، وسيذوق من عميق الحكمة الشهد الرضاب ، كما لايجب أن نغفل ذكر ديوان الحماسة وهو من مختارات شاعرنا التي جمعها من متين الشعر ورائقه لنخبة من الشعراء ، بعد أنْ استلَّ منها الأبيات الجزلة الصِحاح ، من بديع ما أُثِرَ عن العرب الأقحاح ، فتناوله الأدباء وشرحه العلماء لما له من قيمة أدبية ولغوية ، من أجل ذلك أعتقد أنَّ حرياً بطالب البلاغة واللغة أن يقتنيَه وأن يخصهُ بالعناية والرواية .


كتبها: طلال المناور

ليست هناك تعليقات:

;