الأربعاء، 12 يناير، 2011

العولمة الثقافية وآثارها

لم تكن النتائج والآثار الثقافية للعولمة أقل وطأة من نتائجها وآثارها الاقتصادية والسياسية حتى لا نقول إن معدل السوء فيها أعلى، وهو كذلك في مجتمعات الجنوب أكثر منه في مجتمعات الشمال، وإن أصاب هذه الأخيرة أكثر مما أصاب الأولى من مصائب الأمركة.
 وقد يكون من الخطأ - بل هو فعلاً من الخطأ - أن ينظر إلى التشديد على الأبعاد والوجوه الثقافية للعولمة وكأنه شكل من التمسك المرضي بأفكار الهوية والأصالة وما في معناهما يقابله الاعراض عما يحسب أنه الأدعى إلى الانتباه في العولمة (الوجه الاقتصادي - الاجتماعي)، أو كأنه شكل من التمسك بفرضية المؤامرة في تحليل ما جرى من انقلاب مروع في الموازين وعلاقات القوى بين الشمال والجنوب وداخل كل منهما منذ “هلّ” هلال العولمة في سنوات عشر بقين من القرن العشرين .

ذلك أن مثل هذا النظر المستريب في التحليل الثقافي للعولمة لا يلحظ ثلاث حقائق تفرض نفسها في هذا المعرض .

 أولها أن العولمة ما كانت ظاهرة اقتصادية وسياسية وتقانية فحسب، وإنما ظاهرة ثقافية أيضاً .
فهي طالت بنتائجها مجال الثقافة والقيم، وكان لها فيه آثار بالغة . بل إن هذا المجال تحول إلى ساحة من ساحات فعلها المباشر، فاشتغلت السياسات العولمية على قيمه وحولتها إلى موضوع مباشر للاستثمار، إذ لما كانت المادة الثقافية (المكتوبة والمسموعة والمشاهدة) سلعة تستخدم لدرّ الأرباح، فقد كانت السيطرة على المادة الثقافية:


 صناعة وتسويقاً، في جملة أهداف السياسات العولمية الكبرى، وما الإنفاق الخيالي على برامج الإعلام الفضائي في الغرب، منذ ميلاد ال (CNN) قبل نحو عشرين عاماً، إلا المثال الأجلى عما عنته المادة الثقافية في استراتيجيات العولمة من رهانٍ ربحيٍ ومصلحي بعيد الأثر والفائدة، وما يقال عن الإعلام الفضائي ينطبق على مجال شبكة المعلومات الدولية وبرامج إنتاجها والتحكم في مادتها ومضمونها . حتى إن شدة الاهتمام بالوجه الثقافي للعولمة والانصراف إليه أوحى لكثيرين بأن الأخيرة إنما تختصر - أو تكاد - في ظاهرتين ثقافيتين: الإعلام الفضائي والانترنت .



ثانيها أن العولمة لم تتوسل بالتقانة الحديثة وبأدوات الاقتصاد والتجارة والمال والسياسة والحرب - فحسب - قصد تحقيق استراتيجيتها للسيطرة والهيمنة، وإنما توسلت إلى ذلك بأدوات ثقافية أيضاً، بل إن هذه الأدوات كثيراً ما كانت أظهر ضمن ترسانة الموارد والوسائل المستعملة لأنها كانت - وما زالت - أفعل من حيث الأثر وأقل كلفة من الناحيتين المادية والأدبية .


وليس التهافت المتزايد بين القوى العولمية على السيطرة على المجالين الإعلامي والمعلوماتي لتسخيرهما في معركة الهيمنة (العولمية) تلك إلا البرهان الأفقع على المكانة الحيوية والقيمة الوظيفية للأدوات الثقافية في مشروع العولمة واستراتيجيات قواها .


 ثالثها  أن للعولمة ثقافة خاصة يمكن تسميتها بثقافة العولمة: الثقافة التي تبشر بقيم العولمة وتروج لها وتلمّع فوائدها ومكاسبها وتغضي عن مساوئها أو تهون من وطأتها، وليست ثقافة العولمة هذه سوى ايديولوجيا العولمة، أي تلك المنظومة من الأفكار والمفاهيم التي تبررها (العولمة) وتقدمها للرأي العام في صورة البديل الإنساني الأكثر نجاعة للمستقبل، وهو تبرير قارب التعبير عن العولمة في صورة فكرة مهدوية، أو خلاصية، جديدة وليس يغير من هذه الحقيقة أن ايديولوجيا العولمة فقيرة معرفياً ولا تملك ألسنة مثل ألسنة جدتها الرأسمالية في حقبتيها: الصناعية والاحتكارية (كينز، جان ستيوارت ميل، ليو شستراوس، ريمون آرون . .)، ذلك أن قوتها الفعلية - ما خلا بعض جهد نظري لفرانسيس فوكوياما، العائد إلى هيغل وشروح كوجيف - هي قوة إنجازها المادي، وهذه تملك من وسائل الإقناع ما تعجز عنه الايديولوجيا نفسها .


هذه حقائق (ثلاث) ترد على كل مسعى إلى إسقاط مكانة البعد الثقافي في العولمة، لكن أكثر ما يواجه التحليل الثقافي للعولمة من اعتراض هو ذهاب ذلك التحليل إلى رصد فعاليات الهيمنة الثقافية العولمية، وإعماله مفاهيم مثل الاكتساح والاستباحة والغزو لتعيين نمط فعل العولمة الثقافية، والنظر إلى هذه المفاهيم بعين الريبة أو حسبانها شكلاً من الإفصاح عن موقف هوياتي نكوصي، وهذا ما لا يكف عن ترداده كل من اعتقدوا أن نقد العولمة الثقافية وثقافة العولمة نقد للثقافة الغربية ودعوة إلى الانكفاء عن العصر واللوذ بالموروث الثقافي، وعندي أن الأمر في هذا الاعتراض يتعلق بسوء فهم وتقدير، إن نحن أحسنا الظن به وأصحابه، ذلك أن ثقافة العولمة والقيم التي عليها تتأسس، لا تمثل مبعث قلق وخوف بالنسبة إلى الثقافات غير الغربية - وفي جملتها الثقافة العربية - فحسب، وإنما هي تبعث على القلق والخوف في الغرب نفسه: الخوف على قيم الثقافة الغربية التي انتهلت البشرية وثقافاتها منها، والخوف من ابتذال هذه القيم وتزويرها وتجويفها من كل مضمون انساني وجمالي رفيع . ثم إن هذه العولمة (الثقافية) لا تفرض نفسها على العالم من طريق الحوار والإقناع، وإنما بأبشع أنواع العنف الرمزي والعدوان الأدبي إلى حد استفزاز مراكز تاريخية للثقافة الغربية (الاستنفار الثقافي الفرنسي ضد الاختراق الأمريكي)، فكيف بما تفعله ب “الهوامش” الثقافية: ثقافات المجتمعات المغلوبة على أمرها .

نقول هذا إن أحسنا الظن . و إن أَسَأْنَاهُ، يختلف الأمر: يصبح الاعتراض حينها تزييفاً مقصوداً ومتعمداً للحقيقة وليس مجرد خطأ في التحليل أو مجانبة للتقدير السليم . 
نخشى أن يكون أكثر المعترضين على نقد الوجه الثقافي للعولمة من هذه الطينة التي يساء بها الظن .

بقلم الدكتور: عبد الإله بلقزيز

ليست هناك تعليقات:

;