الثلاثاء، 18 يناير، 2011

ما وراء الطبيعة أو الميتافيزيقا

نحاول في هذا المقال ان نبين ماهية الميتافيزيقا وطبيعتها وأهميتها في الفلسفة ما قبل نيتشه واهم الأفكار الميتافيزيقية التي قامت عليها تلك الفلسفات ،بدءا بفكرة العقل وعالم المثل الأفلاطوني فضلا عن الميتافيزيقا الأرسطية .ثم محاولة التعريج على أهمية مبحث الميتافيزيقا في الفلسفة الحديثة بدءا من تجريبية بيكن وعقلانية ديكارت وصولا إلى أرادة شوبنهور الكونية ،وعبر محاولتنا الموجزة للولوج في تاريخ الفلسفة ما قبل نيتشه فقد وجدناها فلسفة نسقية هرمية قائمة على التفسير الأحادي الذي يبدأ من القاعدة وينتهي إلى قمة الهرم .وكأنها نسقية مختومة لا تقبل الزيادة ولا النقصان .مثل عالم المثل الأفلاطوني والكوجيتو الديكارتي. 

كلمة الميتافيزيقا مشتقة من الكلمة الإغريقية (Metata Physika) وتعني حرفيا (ما بعد الطبيعة) وقد استعملها الفلاسفة في العصر الهلنستي والشراح المتأخرون" ليشيروا بها الى مجموعة نصوص غير معنونة تعود لأرسطو طاليس تعرف الآن بـ (الميتافيزيقا), وكان أرسطو نفسه يسمي موضوعات تلك النصوص بالفلسفة الأولى أو علم اللاهوت, ويسميها أحيانا بالحكمة ".

وقد سماها " بالفلسفة الأولى تمييزا لها عن الفلسفة الثانية وهي العلم الطبيعي عنده، وبـ "الحكمة" لأنها تبحث في العلل الأولى إطلاقا، لا الأولى في جنس من الأجناس وبـ"العلم الإلهي" لان أهم مباحثها هو الله باعتباره الموجود الأول والعلة الأولى للوجود". ولذلك نجد ان معناها عند الفلاسفة المسلمين اصبح مقابلاً لمفهوم (الإلهيات).

والثابت تاريخيا ان الكلمة الإغريقية الأصلية لم يستعملها أرسطو وإنما كانت من وضع تلميذه ( اندرونيقوس الرودسي) في القرن الأول قبل الميلاد عندما صنف مؤلفات أرسطو فجاءت تلك النصوص بالتصنيف بعد البحوث الطبيعية.

ومن هنا جاء معناها الحرفي (ما بعد الطبيعة) وفيما بعد أخذ فلاسفة العصور الوسطى هذا العنوان" ليشيروا به إلى الموضوعات التي ناقشها ارسطو في (الميتافيزيقا) بوصفها موضوعات تأتي بعد الموجودات الطبيعية ولا تعرف بالإدراك الحسي ولهذا نجد انها اكثر صعوبة على الفهم".

وقيل ان اندرونيقوس قد اراد باطلاق هذا الاسم (ميتافيزيقا) للدلالة على موضوع دراساتها، بمعنى" انها تبحث فيما وراء الظواهر المحسوسة، الميتافيزيقا مرادفة للخارق للطبيعة في اللغة اللاتينية".

عرف ارسطو الميتافيزيقا بأنها (البحث في العلل والمبادئ الاولى).

كما ذهب الى ان الفلسفة الاولى هي" البحث في الوجود بما هو موجود، أي انها تبحث في الوجود من ناحية المبادئ الاولية الكلية التي تعم جميع الموجودات والتي تجعل الوجود موجودا" وتكاد تكون التعريفات الاخرى استرجاعا لتعريفات ارسطو او متأثرة بها، لذلك فسوف نلجأ الى الانتقاء دفعا للتكرار والاطالة.

اما ابن سينا فسمى الميتافيزيقا بـ (العلم الالهي) فهذا العلم" يبحث في الموجود المطلق وينتهي في التفصيل حيث تبتدئ منه سائر العلوم، فيكون في هذا العلم بيان مبادئ سائر العلوم الجزئية".

وهذا التعريف متأثرا بتعريف ارسطو ولم يأتي بجديد ،والى ذلك ذهب توما الأكويني فالميتافيزيقا او الفلسفة الاولى عنده هي "علم العلل الاولى او المبادئ الاولية، وهي ترجع كلها الى علة واحدة هي الله " .

والميتافيزيقا عند ديكارت تشمل" مبادئ المعرفة التي من بينها تفسير اهم صفات الله، ولا مادية نفوسنا، وجميع المعاني الواضحة التي هي فينا".

نلاحظ ان التعريفات السابقة كلها متطابقة ، لانها تتناول موضوع العلم الالهي او الله الموجود المطلق وهذه التعريفات بمجملها لم تخرج على تعريف ارسطو ولم تات باضافات جديدة.

ولو لاحظنا التعريفات التي تحمل السمة الدينية وتحديدا تعريفي ابن سينا والأكويني ، لوجدناها تحمل مغزى البحث عن حقيقة الوجود، او العلة الاولى وهو الله.

بعد ديكارت اخذ معنى الميتافيزيقا يتغير، فأعتبرت الميتافيزيقا في فلسفة (كانط) "متضمنة لظواهر الادراك الذي يكون قبليا أي اوليا سابقا على التجربة". 

وكذلك يعرف الميتافيزيقا النقدية بأنها( الكشف عن العناصر الاولية في المعرفة والعمل).

وعد كونت الميتافيزيقا" نمط فكري وسيط بين اللاهوني والوضعي، فهي تسعى لمعرفة اصل كل الأشياء ومجراها، والمصدر الاساسي لانتاج كل الظواهر".

وأستمر الأهتمام بتعريف الميتافيزيقا حتى الفلسفة المعاصرة فيعرفها برادلي بقوله (انا افهم الميتافيزيقا على انها محاولة لمعرفة حقيقة الواقع في مقابل الظاهر المحض، او هي دراسة للمبادئ الاولى والحقائق النهائية، وانا افهمها على انها الجهد الذي يبذل لفهم الكون فهما شاملا لا على انه اجزاء او قطع متفرقة، بل على انه كل طريقة ما). اذ نجد برادلي هنا لا يقسم العالم الى صنفين عالم الواقع والعالم الحقيقي، وهذه رؤية مخالفة لسابقيه الذين فهموا العالم عن طريق الفصل وليس الوحدة، اما الفريد نورث وابتهيد فيعرف الفلسفة التأملية بقوله (أن الفلسفة التأملية تحاول تشكيل نسق مترابط ومنطقي وضروري من الأفكار العامة، في مصطلحات يمكن عن طريقها تفسير كل عنصر من عناصر خبرتنا). 

ويعرض لالاند عدة تعريفات فهي تعني:

1- معرفة كائنات لا تقع تحت الحواس.
2- معرفة ماهية الأشياء بذاته، مقابل المظاهر التي نتسم بها.
3- معرفة الحقائق الأخلاقية، واجب الوجود، المثال، باعتبارها مكونة نظاما واقعيا أعلى من نظام الوقائع ومتضمنة علة وجود هذا النظام.
4- معرفة مطلقة، يقدمها حدس الأشياء المباشر، في مقابل الفكر العقلي.
5- معرفة بالعقل تعد كأنها قادرة وحدها على بلوغ صميم الأشياء، ومن ثم بلوغ المبادئ الاولية للعلوم الطبيعية والأخلاقية.
6- معرفة الواقع بالتحليل المتروي والنقدي الجذري قدر الإمكان.

نتناول هذه التعريفات لأهميتها في تاريخ الفلسفة، فهي تنظر الى الميتافيزيقا كفهم شمولي وكلي، وهي معرفة مطلقة ثابتة، تشمل كل حقول المعرفة، فكل فهم مطلق لأي معنى او معرفة من الوجود، فهو فهم ميتافيزيقي محض.

اما طبيعة الميتافيزيقا، فتقوم على عدد من الأسئلة التي تتبادر الى الذهن دائما، بحيث تسيطر على العقل، ومن هذه الأسئلة:"ما طبيعة العالم ومادته وصورته، وما مكوناته الاولى التي تعد قوانينه، هل الله موجود، هل الحقيقة واحدة ام متعددة، هل الخالق سرمدي ابدي خالد، هل هناك ارادة واحدة تحرك الوجود،هل هناك جوهر واحد ام جواهر متعددة …….الخ، هذه الأسئلة في مجملها تمثل منابع الفلسفات التأمليه التي يجب ان تعتمد عليها في نهاية الأمر في نظام متماسك من الفكر، وهذه الأسئلة توضح طبيعة الميتافيزيقا". وقد استدل ارسطو على ضرورة وجود الميتافيزيقا لان" العلوم الخاصة التي يعالج كل منها موضوعا خاصا به، تشترك في استخدام مفاهيم عامة كالذاتية والاختلاف والوحدة والتعدد وما اشبه، وهي بمجموعها تكون موضوع علم الوجود العام او الميتافيزيقا".

فأرسطو يؤكد على قيام علم الوجود او ما بعد الطبيعة على اعتبار ان هذا العلم قائم بذاته وقد انفرطت منه باقي العلوم.وعليه فأرسطو يرى ان" الفلسفة الاولى اعم العلوم لانها تبحث في اعم العلل، اذ العلل والمبادئ الاولى شاملة لجميع انواع العلل الاخرى، وهي اكثر العلوم يقينية لانها تبحث عن المبادئ الاولى، والمبادئ الاولى اعلى الامور درجة في اليقين، وهي انفع العلوم لانها تعطينا علما بالعلل الاولى، وهي اكثر العلوم تجريدا لانها تبحث في اكثر الأشياء بعدا عن الواقع العيني، وهي اشرف العلوم لان موضوعها النهائي والاساسي اشرف الموضوعات وهو الله".

وهذا الراي يتطابق مع اراء الفلاسفة اللاهوتيين ورجال الدين باطلاقهم، اما الفلاسفة عبر التاريخ فقد اختلفوا بهذا الشأن فمنهم من اعتبر الميتافيزيقا حقيقة ولا مفر منها، ومنهم من رفضها رفضا مطلقا واعتبرها وهما وزيفا بوصفها مصدر ضعف لا قوة.والواقع أن طبيعة التفكير الفلسفي ميتافيزيقي بالاساس فهو يقوم على فكرة الوحدة، وهي فكرة مركزية في التفكير، ولكن الفكر الفلسفي المعاصر لا يؤمن بفلسفات تقوم على فكرة واحدة مطلقة، بل يؤمن ان العالم يتغير، وبالتالي فأن طبيعة تفكير الأنسان نفسها تتغير،ان الافكار التي ينظمها العقل تتغير مع تغير الواقع من حوله، فلا يوجد فكر مجرد او فكرة مطلقة واحدة، لان الحقيقة نسبية والعالم او الكون في تطور مستمر لا يستطيع الأنسان نفسه اللحاق به، وهذا ما يشدد عليه نيتشه في نقده للميتافيزيقا ومفاهيمها المجردة المتعالية.

بقي ان نشير الى بعض المواقف من الميتافيزيقا، فلالاند يشير الى الاختلاف والتباين في استعمال كلمة ميتافيزيقا بحسب التشديد فيها،" اما على فكرة بعض الكائنات التي لا تقع تحت الحواس، او على نظام ما للواقع، كموضوع خاص للميتافيزيقا.

ومن هنا جاء الاختلاف في تعريفها وكثرة معانيها لأنها موضوع مفتوح امام كل الافكار المركزية وليس مغلقا وهنالك بعض التفسيرات المتطرفة التي لا تخلو من نقد تجاه البحث الميتافيزيقي فيصف" وزدم"، القضية الميتافيزيقية بأنها" نوع من الباطل المنير، كذلك فتجنشتاين الذي يقارن الرأي الميتافيزيقي بابتكار نوع جديد للأغنية".

كذلك يذهب وليم جيمس الى وصف الفيلسوف الميتافيزيقي بانه اشبه بالاعمى الذي يبحث في حجرة مظلمة عن قطة سوداء لا وجود لها.في حين يدافع شوبنهاور عن الميتافيزيقا عندما يصف الأنسان بأنه (حيوان ميتافيزيقي) وكان كانط يقول بأنها (اشرف العلوم) وهيجل يقول (قدس الأقداس).

وبهذا انقلب الميتافيزيقيون الى صنفين، صنف جعلها مقدسة واشرف العلوم، واخر عدها زيفا ووهما.لكن الصنفان يلتقيان في كونهما ينطلقان من اسس ميتافيزيقية في الحكم. ومن الصفات المميزة للميتافيزيقي" ان يقترح للاستعمال او ان يقدم للتأمل تحولا في افكارنا، ومراجعة لمفاهيمنا، وطريقة جديدة للنظر الى العالم".

وعليه فأن البحث الميتافيزيقي يركز على نمط محدد من المفاهيم مثل" الوجود والعدم والحقيقة والظاهرة والجوهر والعرض والأنسان والحرية… الخ وهي من المفاهيم المركزية التي قامت عليها الفلسفة ، لكن مهما كثرت المفهومات او قلة فأنها تدخل ضمن المطلب الأساسي للميتافيزيقا الذي يهدف الى تقديم تفسير شامل من خلال الكشف عن مبدأ المنظومة الكلية للمعرفة والوجود".

وهذا ما يركز عليه نيتشه في نقده لهذه المنظومة الشاملة من المفاهيم الميتافيزيقية التي سيطرت على الفكر الغربي لحقبة طويلة من الزمن وسنتناول بعد هذا العرض الموجز لمعنى الميتافيزيقا وموقف الفلاسفة منها نماذج لعدد من الفلاسفة، الميتافيزيقيين، من الفلسفة اليونانية والفلسفة الحديثة المعاصرة لنيتشه.

للكاتب : عبد الله عبد الهادي

ليست هناك تعليقات:

;