الأربعاء، 12 يناير، 2011

ثالث المستحيلات ومحاكاة أفلاطون وابن خلدون في المدينة الفاضلة

رب أخ لك لم تلده أمك!

كلنا يوادد ويخالل "ولو كنت متخذا خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر "
كثير ما نظلم الأخلاء ونبطن في مخيلتنا جهلا وحمقا (ستبدي لي الأيام خوره 
وتجلي لي معدنه ) مستندين بذلك أمثالا سنها القدماء!

ولكن ما هو مدى إيمانك بتلك الأمثال التي ستجدني أترعت موضوعي بها.
صور الفيلسوف اليوناني أفلاطون المدينة الفاضلة ووضع أسسها وقواعدها وبنفس الحيثيات نجد قائد لواء الفلسفة العربية ابن خلدون يزمجر حول المدينة الفاضلة.

هي الدوافع نفسها أخذت بي اتجاها أن أنسج وأحاكي واقعا ربما عشته ولامسته متسترا بالأماني تمتد بي خطوط الظنون إلى تصديق هذا الواقع تارة وتارة أعيش مع غمرات الحقيقة – أحيانا تكون الحقيقة غمرات – نابذة الوفاء عن بني البشر.
في موضوعي أدناه – آمل أن تكون وصلت معي لهذه السطور وإن كنت فحري بك أن تكمل قراءتك – نسجت واقعا منبعه الوهم بشخص وإن كان الوجد محصلة فراقنا.

فهل ياترى أنت مع التيار القائل بوفاء الخل أم مع الذي إذا تلي البيت :
فعلمت أن المستحيل ثلاثة *** الغول والعنقاء والخل الوفي
طأطأ رأسه نعم ليس هناك بشرا وفيا

في مقالتي بوح لأرى رأيك في الخل الوفي وترى رأيي وكما قد قيل كما يقطع الماس الماس فإن أجزاء التفكير تنمي بعضها بعضا والعبقرية نتيجة هذا الاحتكاك المستمر والخل الوفي يناهض بالحق قولك ويناقض ويحلو لك تناقضه تعيش توافقه بثوب تناقض.

#***#


أُصْدُفت ببحر من بحور الحياة عبت عليها أنها لم تلده إلا في زمن ليس هو أبيه ولم تجعله قرين حاتم وأخا أحنف وند كل ذي مكرمة فقالت لي وهل لي من ذلك شيء ولكن ألا ترى أن في ذلك ضرب من الحكمة وسداد في الرأي فقلت لها بعد أن أخذت مني الغرابة مأخذها وكيف ذلك !
فأجابتني لو أنني ولدت كل فحولي في زمن واحد لظلمت أحفادي وأفسدت عليهم دنياهم ولكنني أحببت أن أمن على كل زمن وأبقى ما بقيت خيري مستمر.

فأردفت يا بني جعلت في كل جيل من ندر نظيره حتى لا يموت تاريخ من سبقهم ،

فقلت لها أماه وأنى يموت تاريخهم وهم في كل زمن عبق أحاديث رجاله وسلوة مجالسهم.

فقالت يا بني لو سمع الناس فقط ولم يروا لكذبوا ما سمعوا ولكن حظي كل عهد مني بصفوة حتى لا تضيع مكارم الأخلاق ولا تكون أحاديثهم عن أبطال سبقوهم عهدهم نسج من الخيال وضرب من الأكاذيب وخرافة تزج الأقلام بها دون أن يكون هناك مثالا تراه العين وتقيس عليه العقول.
نأيت بنفسي قليلا لتعيش وجدها وتخوض غمار أحزانها وعبثا تتلهي وتؤمل النسيان.

فقلت يا نفس مالك ؟

قالت :
من لي بإنسان إذا أغضــــــــبته *** وجهلت كان الحلم رد جوابـه
و إذا صبوت إلى مجلسه شربت من *** أخلاقه وسكرت من آدابه

قلت جدي البحث علك تظفرين بغيره فليس غرما صحبة الأخيار.

قالت لي : أما دونه فربما .

قلت : فربما دونه! بل من نظيره .

قالت :
سألت الله أن يبقيه ذخرا *** فما له في البرية من نظير.

قلت لها:
أتطلبين صاحبا لا عيب فيه *** وأي الناس ليس له عيوب

قالت " كمل من الرجال كثير " فالأصل موجود والحياة مولدهم ثم مالت إلي وكأنها تهمس بأذني
دع الناس لا ترج الرضا عنك منهم *** فليس لإرضاء العباد سبيل

قلت لها :
فقد تتغشى صفحة الماء كدرة *** ويطفو على ضوء النهار ضباب

قالت إن كان له كدرة وضباب أعشى بُصْرة الشمس فإعجازه غيره بلحاقه مكارمه وحذوه محاسنه.
فلله دره ما أتعبه لقرينه في خطى خطوه وسلوكه دربه وسيره نهجه.
تعد ذنوبي عند قومي كثيرة *** ولا ذنب لي إلا العلا والفضائل .

قلت يا نفس :
سألت الناس عن خل وفي *** فقالوا ما إلى هذا من سبيل
ولم أكن ألبثتها حتى استطردت
فعلمت أن المستحيل ثلاثة *** الغول والعنقاء والخل الوفي
ضحكت مني وسخرت فقلت في نفسي
فلم يجبني بغير ضحكته *** والضحك في غير موضعه سفه

قالت لي ذاك قول وقد قيل يد الله مغلولة.
قلت هل من أمر في خلك حتى تقفين هذا الحكم منه وترمي بقول مرت عليه العرب وكلهم يكاد عنه راض.
فأجابتني وهل مر على من قال ذلك خلي وعاش صحبته.
سكت مليا وقلت لها أبيت اللعن.

قلت: ما حظك من خلك ؟.

قالت الفوز وخير شهادة :
فصحبته غنم كل خليقة رداؤها الحسن والكمال تاجها.
صاحب أخا ثقة تحظ بصحبته *** فالطبع مكتسب من كل مخلوق
وأما الشهادة:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه *** فكل قرين بالمقارن يقتدي
حسنا حسنا !


قلت ما رجاءك منه !
سامح صديقك إن زلت به قدم ***فليس يسلم إنسان من الزلل
سامح لا أبا لأبيك منعت الشر وكفيت السوء واصفح واعذر,
إذا اعتذر الصديق إليك يوما *** من التقصير عذر أخ مقر
فصنه عن عتابك واعف عنه *** فإن الصفح شيمة كل حر

قلت ما صفاته !
إقدام عمرو في سماحة حاتم *** في حلم أحنف في ذكاء إياس
أيهن أجل ! جوده ،
تعود بسط الكف حتى لو أنه *** أراد انقباضا لم تطعه أنامله

قلت لها :
كفى بالجود مدمحة لكل عيب وطهور لكل رزية وصفاء المرء من كل كدرة .
وإن كثرت عيوبك في البرايا *** وسرك أن يكون لها غطاء
تستر بالسخاء فكل عـــــــيب *** يغطيه كما قيل السخــــــاء

قالت ياهذا ليس عطاؤه ما يسديه جمالا في خلقه وطبعه بل والحق قولي ما هو إلا شمس وما السوء إلا ليل فهل بربك يجتمع شمس وليل
يا خليلي وأنت خير خلــــــــــــيل *** لا تلم راهبا بغير دلـــــــــيل
السوء كالليل و مكارمي كالشمس *** فاجتماعي بها من المستحـيل
فإن كنت ترى جوده سترا له فاعلم أنه صاحب فضل على الجود أحياه وشب به ولم يعجبني جوده بقدر ما أعجبني جود نفسه .

قلت لها أنى ذلك ؟
ضحوك السن إذا أعطى كريمة سجاياه ، طبعه السخاوة ، خاطره النداوة:
ضحوك السن يطرب للعطايا *** ويفرح إن تعرض للسؤال
تراه إذا ما جئته متهللا *** كأنك تعطيه الذي أنت سائله

قلت ما أنت بعده؟!
أضحت بخدي للدموع رسوم *** أسفا عليك وفي الفؤاد كلوم
والصبر يحمد في المواطن كلها *** إلا عليك فإنه مذمـــــــوم

قلت ما الحياة دونه !
شر البلاد مكان لا صديق به *** وشر ما يكسب الإنسان ما يصم
أتدري ما الحياة بعده
واحسرة للفتى ســـــــــاعة *** يعيشها بعد أودائه
عمر الفتى لو كان في كفه *** رمى به بعد أحبائه

ما بلغ لهجك نفسك فيه ؟!
وأيم الله لا أخال نفسي بعد فراقه دقيقة نسته وعلى ذلك أقول وأيم الله ولقد وددت قول الذي يقول :
فلو أن ما بي بالحصى فلق الحصى *** وبالريح لم يسمع لهن هبوب
ولو أنني أستغفــــــــــــــــر الله كلما *** ذكرتك لم تكتب علي ذنوب

قلت ما حالك بعده ؟!
فراق الأحبة داء دخـــــــيل *** ويوم الرحيل لنفس رحيل
حياة الخليل حضور الخليل *** ويفنى إذا غاب عنه الخليل
يسائلني عن علتي وهو علتي *** عجيب من الأنباء جاء به الخبر

ما بلغ بثك منه؟!
ثنتان لو بكت الدماء عليهما *** عيناي حتى يؤذنا بذهابي
لم يبلغا المعشار من حقيهما *** فقد الشباب وفراق الأحبابي


أي رجل هو عندك؟!
فتى جمع العلياء علما وعفة *** وبأسا وجودا لا يطيق فواقا


قلت يا نفس هل يحفظ لك وده؟ ويرعى حق الصحبة فإن لم يكن فقد كان:

إذا المرء لا يرعاك إلا تكـــــــــلفا *** فدعه ولا تكثر عليه التــــــــأسفا
ففي الناس أبدال وفي الترك راحة *** وفي القلب صبر للحبيب ولو جفا
فما كل من تهواه يهواك قلبــــــــه *** ولا كل من قد صافيته لك قد صفا
فياليت شعري هل لك صفا؟!
إذا لم يكن صفو الوداد طبيـــــــعة *** فلا خير في ود يجيء تكـــــــــلفا
ولا خير في خل يخون خليلــــــــه *** ويلقاه من بعد المودة بالجـــــــــفا
وينكر عيشا قد تقادم عهــــــــــــده *** ويظهر سرا كان بالأمس قد خـفا
سلام على الدنيا إذا لم يكن بـها *** صديق صدوق صادق الوعد منصفا

قالت :
فلعمري والعهد به خير ليس في الناس بديله ولكن في قولك هل صفا فهذه مردودة إليه
فمن حسن سجيته لا تعلم مطيته.

قلت فما الظن فيه؟

قالت : بل هو اليقين عينه والرجحان نفسه والحق أكتعه والأمل أبتعه,
مودته تدوم لكل هول *** وهل كل مودة تدوم.

وما الذي أنت عليه؟
عليك بإخوان الثقات فإنهم *** قليل فصلهم دون من كنت تصحب.
لست من إذا جفاه أخـــــوه *** أظهر الذم أو تناول عرضـــــا
بل إذا صاحبي بدا لي جفاه *** عدت بالود والوصال ليرضى


قلت يا نفس ما مناك ؟
بلاد إذا ما هبت الريح نحوها *** تمنيت لو أني بها أتعلق
فما أشد على النفس من فراق حبيب " لا أبقى الله فرقته "فوطأها على النفس شديد وحزنها عتيد وهمها تليد .
ليس بالأمر الهين النسيان وليس باليد زمام الجنان.
فما أثقل الهم وما أقل حياؤه. يطرقك دون استئذان وليس عندك في طرده سلطان.
هي الدنيا تجمع وتفرق, تلم وتبعثر,تسعد وتحزن، تضحك تبكي.

ثمانية لا بد منها على الفتى *** ولا بد أن تجري عليه الثمانية
سرور وغم واجتماع وفرقة *** وعسر ويسر ثم سقم وعافيـة


ولكن بقي أن أقول اللهم أحبب من أحبنا وأحبب من أحببناه ولا تجعل في غيرك حبنا.

ذلك البحر الذي وقفت أمامه. يملكني العجب منه. يأسرني الشوق إليه.
صحبته زمن عل من غضب أو زلة أدينه بها أجد لنفسي إن أغضبته يوما تشفيا بها.
ولكن أبت عليه مكارمه وأخلاقه.

كم تطلبون لنا عيبا فيعجزكم *** ويكره الله ما تأتون والكرم .

عجزا وقصرا أبت نفسي أن تجاريه. سفها وطيشا أملت أن تباريه.
ذلك البحر الذي له من الصنيع أطيبه, ومن المعروف أسداه جزلا.
إذا أملت في رد جميله فما أنا إلا من تعدد حسناته

كالبحر يمطره السحاب وماله *** فضل عليه لأنه من مائه.

مذ صحبته نفسي ألفته , في وده غلت وفي ذلك تمادت وعلت,جلست معه ساعات طوال
لم يكن يوما من الأنفس الثقال ,ولم ألف روحي منه متضجرة ساعة,ولم تجد في جلوسه قناعة.
لم أبح له بمعزتي, لأني لا أجد لذلك من بد ولا ينئي عن قلبه ود وما أنا إلا :

لم يكن المجنون في حالة *** إلا وقد كنت كما كانا
لكنه باح بسر المعـــــــزة *** وإنني قد ذبت كتمانا

ولكنني ما حييت أبقى :

ما عالج الناس من وجد ومن كمد *** إلا وجدت به فوق الذي وجدوا
حسبي رضاه وإني في مســـــرته *** ووده آخر الأيام أجتـــــــــــهدُ



كثيرا ما سألت نفسي هل المكارم التي تتوج بها تخلق أو هبة من الله أو من سلالة خلص فيها النبل.
أقول نعم تخلق وهبة من الله ونسب.

وصدق الذي يقول :

إنا سألنا قومنا فخيــارهم ***من كان أفضلهم أبوه الأول
أعطى الذي أعطى أبوه قبله *** وتبخَّلت أبناء من يتبخَّل
من لم يكن أصله كريما *** لم يعمل في المكرمات فرعه
الناس كالأرض دون شك *** ما طاب منها يطيب زرعه
فسلام عليك في كل حين وسلام عليك أينما كنت يـا :

ذان البيتان من شعري ومما أوهمت به نفسي أن أفي لك حق وياليت شعري هل أفي لك حق ؟

الله بمحمد النبوة ختَّـــــــم *** فصلى الله عليه وسلـــــم
لو كانت لأحد بعــــــــــده *** لوددت أنها إليك تسلــــم

ليست هناك تعليقات:

;