الأحد، 16 يناير، 2011

شمـس الصـباح للفنانة الأمريكية بوليـن بالمـر، 1920

من أهمّ انجازات الحركة الانطباعية هو أنها أفسحت المجال واسعا أمام المرأة كي تشتغل بالرسم. ويحتفظ تاريخ الانطباعية الفرنسية، على وجه الخصوص، بأسماء العديد من النساء اللاتي استطعن منافسة الرجال وأثبتن أنهنّ لسن بأقلّ موهبة واستعدادا من نظرائهن من الفنّانين الرجال.

وقد نجحت الرسّامات الانطباعيات في صياغة أسلوبهن الفنّي الخاصّ وتجاوز الأعراف والسلوكيات القديمة التي كانت تضع العراقيل في وجه اشتغال المرأة بالفنّ. ومن أشهر الأسماء النسائية التي برزت في أوساط المدرسة الانطباعية كلّ من بيرتا موريسو و إيفا غونزاليس وماري براكمون، وهنّ فرنسيات، بالإضافة إلى الأمريكيتين ميري كاسات وبولين بالمر.

كانت بولين بالمر واحدة من ألمع الرسّامات الأمريكيات اللاتي ظهرن في أوائل القرن الماضي. وقد عُرفت بكونها داعمة ومتبنّية بقوّة للمدرسة الانطباعية في الرسم. وحظيت بمؤازرة ودعم من والدها وزوجها اللذين شجّعاها على مواصلة تعليمها وصقل موهبتها.

ولدت بولين بالمر في ولاية الينوي الأمريكية ودرست الرسم في معهد شيكاغو للفنون. وكان من بين أساتذتها الرسّام الأمريكي المشهور وليام تشيس الذي نصحها بالذهاب إلى فرنسا لتنمية موهبتها والاطلاع على التجارب الفنّية الناشئة فيها.
وقد واتتها الفرصة في ما بعد للذهاب إلى باريس حيث درست على يد كل من كولين وكورتوا. كما عرضت لوحاتها في صالون باريس ونالت على بعضها عدّة ميداليات وجوائز.

وكانت بالمر قبل ذلك قد قضت سنوات طويلة في رسم الناس وتصوير مظاهر الحياة في مدينتها شيكاغو. ولوحاتها تتميّز بأناقة وجمال لافتين وتشي بموهبتها الكبيرة وبقدرتها الفائقة على الإمساك بالجمال الجسدي والسيكولوجي للناس وبالأجواء الداخلية للأماكن التي كانت ترسمها.

ولوحاتها تصوّر مواضيع مختلفة كالمناظر الطبيعية والشواطئ والحياة اليومية والبورتريه. وكانت توظّف في لوحاتها الأسلوب الواقعي حينا والانطباعي أحيانا.

وقد ربطتها علاقة صداقة مع عائلات الصيّادين الفقراء. وأصبح أفراد تلك العائلات موضوعا للعديد من لوحاتها.
بورتريهات بالمر تُعتبر أعظم انجازاتها. ومعظمها إما لنساء أو أطفال. وقد ركّزت في تلك البورتريهات على إبراز نقاء وبراءة الشخصية. في هذه اللوحة ترسم الفنانة صورة لامرأة تجلس في أولى ساعات الصباح أمام مرآة وتتفحّص هيئتها، بينما يتسلّل نور الشمس عبر زجاج باب خلفي. الألوان ناعمة ومتناغمة. وتأثيرات الضوء الطبيعي وامتزاجها بانعكاسات الألوان الحمراء والزرقاء والبيضاء والخضراء وتدرّجاتها تمنح انطباعا فنّيا عالي التوتر ومفعماً بالنور والشفافية.

النساء في معظم لوحات الرسّامة، ومنها هذه اللوحة، يظهرن بنظرات وملامح واثقة تعطي شعورا بالاستقلالية والاعتداد بالنفس، وهي فكرة ظلّت غالبا مقتصرة على الرجال دون النساء.
ويبدو أن بالمر، بحكم انتمائها إلى الطبقة الاجتماعية الرفيعة، كانت تستخدم لوحاتها لأغراض تمكين المرأة ودعم مكانتها في المجتمع، وفي الوقت نفسه انتقاد موضوع الجندر والأدوار التقليدية المناطة بكلّ من الجنسين. وهي أفكار كانت رائجة بين النساء وقتها.
على امتداد حوالي ربع قرن، ظلّت بولين بالمر تعرض لوحاتها في معهد شيكاغو للفنّ. وقد فازت بعدد من جوائز المعهد المرموقة. كما انتُخبت كأوّل فنّانة امرأة ترأس جمعية شيكاغو للفنّانين في العام 1918م.

وقبل ثلاث سنوات بيعت إحدى لوحاتها في مزاد في الولايات المتحدة بأكثر من مائة وعشرين ألف دولار. وفي السنوات الأخيرة ظهر كتاب يحمل عنوان "رسائل بولين بالمر" ويتضمّن مكاتبات الفنّانة مع والدتها والتي تشرح فيها بعض جوانب الحياة في شيكاغو في بداية القرن الماضي. كما تحكي في تلك الرسائل عن حياة عائلتها وأسفارهم الكثيرة في أوربّا.
توفيت بولين بالمر عام 1938 بالالتهاب الرئوي بينما كانت في رحلة إلى النرويج.

ولوحاتها تتوزّع اليوم على عدد من المتاحف والمجموعات الفنّية الخاصّة في أمريكا والعالم.

لوحات عالمية

ليست هناك تعليقات:

;